انتصارات اكتسبتها النساء وحجبها الواقع - مزن حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 4:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

انتصارات اكتسبتها النساء وحجبها الواقع

نشر فى : الأربعاء 17 يناير 2018 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 17 يناير 2018 - 10:15 م

يأتى يناير هذا العام 2018 ليذكرنا بالاستفتاء على الدستور المصرى المعدل لعام 2014 والذى ظهر بشكل يختلف عن الدساتير المصرية السابقة من حيث نوعية الحقوق التى تم إضافتها فى هذا الدستور خاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات وأيضا من حيث إدارة عملية كتابة هذا الدستور والتى كانت لها شكل مختلف عن سابقيها. كما يأتى هذا بعد إعلان الدولة المصرية عام 2017 عام المرأة المصرية، ولا يسع المهتمات بقضايا النساء إلا أن ينظرن لدستورهن ليستطعن محاولة تقييم ما حققته الدولة على مستوى السياسات والتشريعات لتحسين أوضاع النساء.

من الصعب محاولة قراءة دستور 2014 المعدل دون النظر إلى عدة أمور، منها تاريخ الحركة النسوية واشتباكها مع سؤال حقوق النساء فى الدساتير وأيضا تطور الدساتير المصرية والمراحل المتعددة التى مرت بها عملية كتابة الدساتير خاصة بعد ثورة يناير 2011.

وإن أردنا أن نعود بذاكرتنا قليلا فإننا نجد أن تضمين حقوق النساء فى الدستور كان مطلبا للحركة النسائية والنسوية لسنوات عدة وظهر الصراع جليا بعد عام 1952 عندما خاضت درية شفيق وزميلاتها معركة ستظل ملهمة للنسويات المصريات مع السلطة آنذاك ليتم تمثيل النساء فى لجنة كتابة دستور 1954 ومن ثم المطالبة بحقوق واضحة للنساء المصريات داخل الدستور، وإن كانت نهاية المطالبات بتلك الحقوق لم تكن المثال الأمثل للنساء فقد تم وضع درية شفيق تحت الإقامة الجبرية حتى وفاتها إلا أن دستور 1954 ضم بعض الحقوق للنساء، مما يظهر المفارقة الكبيرة لبعض الأنظمة التى قد تكون على استعداد لتضمين الحد الأدنى من الحقوق للنساء وفى نفس الوقت التنكيل بالمطالبات بتلك الحقوق وإقصائهن عن العمل العام!

***

كان هذا التاريخ النضالى فى الخلفية الذهنية لمجموعة من النسويات بعد ثورة يناير 2011 وهن يفكرن فى الاشتباك مع قضية الدستور وحقوق النساء فى ظل المطالبات بإصدار دستور جديد لمصر يعبر عن التغيير الذى حدث فى هذا الوطن بعد ثورة يناير. بدأت مجموعة من النسويات فى تشكيل مجموعة «النساء والدستور» وهى مجموعة من مؤسسة المرأة والذاكرة التى حملت على عاتقها تكوين وتنسيق تلك المجموعة وكانت فلسفة تلك المجموعة أن يتم صياغة عدة مواد تعتمد على نظرة أشمل لحقوق النساء ليتضمن حقوقهن فى مجالات متعددة.

كان هدف المجموعات النسوية هو الاشتباك مع مستقبل الحقوق الدستورية لهذا الوطن ولذا اختارت المجموعات النسوية المشاركة والضغط على اللجنة التأسيسية لكتابة مشروع الدستور، وعلى الرغم من أن المسار كان ظاهره إقصائيا للنساء فإنه تم تقديم مقترحات المواد الخاصة بحقوق النساء والتى تم تجاهلها كاملة وجاء الدستور المصرى مخيبا للنساء، فإلى جانب اعتبار النساء مواطنات من الدرجة الثانية وتم قصر قضايا النساء على الأطر الأخلاقية العامة التقليدية ولم تذكر النساء فى هذا الدستور إلا كمعيلات وأرامل ومطلقات.

وانتهت تلك الحقبة بإحباط وخوف مرتقب من نساء مصر على ما ناضلن من أجله سابقا من حقوق تم تضمينها حتى لو منقوصة داخل الدستور ومجموعة من القوانين كنا نأمل أن تزداد عددها وتطبيقها ليس أن ننتظر فقدانها.

***

بعد 30 يونيو 2013 وعندما تم عزل الرئيس المصرى محمد مرسى بعد خطاب وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبدالفتاح السيسى بدأت مرحلة جديدة فى مصر تم على إثرها تشكيل اللجنة المعروفة بلجنة العشرة لتعديل الدستور المصرى والتى ضمت قانونيين وقضاة ثم تشكيل لجنة الخمسين لتعديل الدستور والتى ضمت العديد من الممثلين لتيارات مختلفة سواء شباب أو نساء أو ذوو إعاقة أو أقليات دينية. وعادت النسويات لنفس السؤال حول المشاركة فى تلك العملية التى شابها العديد من الأسئلة حول إمكانية وجود عملية لكتابة الدستور فى ظل أوضاع غير مستقرة وهل يمكن لهذا الدستور المعدل أن يصبح دستورا دائما وهو ما سيكتب فى مرحلة انتقالية. واختارت المجموعات المشاركة إيمانا بأهمية الاشتباك مع العملية التى كانت مدنية ضمت نساء مشهودا لهن بانحيازتهن النسوية ورجالا غلب على خطابهم الطابع المدنى والتشاركى.

عقدت لجنة الخمسين العديد من جلسات الاستماع للعديد من المجموعات ومنها مجموعات حقوق النساء وقبلت اقتراحات مجموعات مختلفة منها النسوية وسارت فى مسار تفاوضى جاد وواضح وعلنى أثمر عن تضمين العديد من حقوق النساء لم تذكر فى دساتير سابقة لمصر، فلأول مرة يضمن الدستور المصرى مساواة كاملة للنساء والرجال وتجريم واضح للعنف ضد النساء وأحقية النساء فى تولى جميع المناصب منها القضائية ونظام انتخابى واضح يضمن للنساء المشاركة بأطر تمييز إيجابية فى المحليات بنسبة 25% وإقرار مفوضية لمناهضة التمييز، ولم يستطع الدستور تحديد نسبة واضحة لمشاركة النساء فى الأطر الأخرى عدا المحليات واكتفى بإقرار تمثيل مناسب وهو ما يصعب تحديده بدقة.

أتى الدستور المعدل بمواد يمكن أن تضع حقوق النساء فى مساحة يتم النقاش عليها بشكل جدى مع الدولة المصرية، ولكن الواقع قد يبدو ضبابيا لمن يناضلن على أن تكون تلك الحقوق ليست مجرد مواد بل يتم ترجمتها لواقع ملموس تشعر به النساء وتحسن حياتهن اليومية. كل هذا يحتاج إلى مجال عام آمن نستطيع به خلق أدوات نعمل بها على تحقيق ذلك ودولة قادرة على تطبيق ما التزمت به من خلال الدستور، ولكننا مع عام 2018 نرى أن الدولة المصرية لا تتعامل مع هذا الدستور بجدية كافية لاستكمال مسيرة العمل على قضايا النساء وحقوقهن وفى هذا الإطار يتضح أن العديد من الاستحقاقات الدستورية لم تطبق مثل تعنت مجلس الدولة لتعيين نساء حتى الآن وعدم إقرار قانون موحد لمناهضة العنف وتعطيل إقرار مفوضية منع التمييز.

مما سبق لا يسعنا إلا أن نتذكر نساء دفعن أثمانا غالية من حياتهن ليصبح لنساء هذا الوطن ميراثا من النضال لتحقيق مكاسب دستورية وقانونية للنساء ونستلهم من تاريخهن شجاعة لنبتدع أدواتنا للتغيير حتى تحصل نساء مصر على ما يستحقن من حقوق ويعشن حياتهن يتمتعن بثمار نضال من سبقهن.

مزن حسن مديرة مؤسسة نظرة للدراسات النسوية
التعليقات