ترامب بين الدين والدولة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 3:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


ترامب بين الدين والدولة

نشر فى : الجمعة 16 ديسمبر 2016 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 16 ديسمبر 2016 - 9:35 م
ظهرت المؤسسة الكنسية عالميا فى القرن الأول عقب خراب أورشليم ما بين عامى 60 و70 م على يد تيطس الرومانى، حيث تسبب الخراب فى خروج الشعب الأورشليمى إلى كل أنحاء العالم وتشتت الكنيسة معه. ومنذ اللحظة الأولى رأى حكام البلدان المختلفة أن هذه الديانة الجديدة خطر عليهم لأنها تدعو إلى عدم تأليه الأباطرة والملوك، ولذلك عانى المسيحيون معاناة شديدة واستشهد الكثيرون منهم على يد أباطرة روما التى كانت تحكم العالم حينئذ. وكانوا مطاردين فى الجبال والمغارات واتهموا بإحراق روما فى عصر الإمبراطور نيرون؛ لذلك كانت الكنيسة فى عداء ظاهر مع الدولة حتى جاء الإمبراطور قسطنطين فى القرن الرابع والذى ادعى أنه رأى حلما فيه صليب وسمع صوتا يقول بهذه العلامة سوف تنتصر، فأعلن بعد استيقاظه أن المسيحية ديانة تعترف بها الإمبراطورية وذلك فى خطاب أرسله من ميلانو بإيطاليا إلى واليه فى الشرق يطلب منه وقف اضطهاد المسيحيين ورد ممتلكاتهم وإعطائهم حق ممارسة العبادة وبناء الكنائس.

وهنا اختلط الدين بالسياسة وتحكم الإمبراطور فى الكنيسة على الرغم من عدم فهمه لعقائدها ودخل المسيحية الآلاف دون إدراك للعقيدة تقربا للدولة والإمبراطور، بعد أن كان من يدخل المسيحية يدخلها عن اقتناع ويتحمل آلام الاضطهاد بل والموت فى سبيلها. والغريب فى هذا الأمر هو تحكم الإمبراطور فى قرارات المجامع الكنسية وهنا وقعت تغيرات جذرية منذ أن صارت الكنيسة كنيسة الإمبراطورية. فبادئ ذى بدء كان الآباء المسيحيون الأوائل بداية من القرن الأول الميلادى وحتى ظهور الإسلام يتمحور خطهم العَقَدى حول الفكرة القائلة إن الإنسان ينتمى إلى الإنسانية فى الإنسان الأول آدم وإلى الإنسانية الروحية فى الإنسان الجديد يسوع المسيح.

من هنا لم يميز الآباء فى تلك الفترة بين المسيحية والأدب والفلسفة والثقافة غير المسيحية؛ لذلك قام المفكرون المسيحيون بالتعمق فى دراسة الفلسفة اليونانية والعلوم والفنون التى أنتجتها الحضارات السابقة وأسهموا من خلالها فى شرح اللاهوت المسيحى. لكن بعد قسطنطين تغير الحال لأنها أصبحت المؤسسة الدينية التابعة للدولة فقضت على ما أسمته الثقافة والحضارة الوثنية ــ على الرغم من أنها لم تكن كذلك ــ والتى تمثلت فى مكتبة الإسكندرية، فقام المسيحيون بنهب السرابيوم الشهير بأمر البطريرك ثيوفيلوس (385 ــ 413 م)، وتحول السرابيوم الذى كان معبدا ومركزا علميا ومكتبة إلى كنيسة مكرسة ليوحنا المعمدان. وهرب العلماء والمثقفون بعد ما رأوا الفيلسوفة هيباتيا وقد مزق المسيحيون المتعصبون جسدها بعد عظة تحريضية من البابا.

***
بعد دخول الإسلام ووصوله إلى بلدان الشرق الأوسط وأوروبا حدثت فى العصر العباسى حضارة إسلامية متقدمة فى الشرق، وامتدت إلى الغرب ووصلت إلى إسبانيا والنمسا، ذلك فى الوقت الذى غرقت فيه أوروبا فى ظلام القرون الوسطى بسبب تحكم الكنيسة فى الدولة، وهو عكس ما كان من القرن الرابع حتى التاسع، تلك الحقبة التى تحكَّم فيها الأباطرة والملوك فى الكنيسة.

لقد صار البابا هو الذى يعين ملوك أوروبا ويعزلهم، من هنا بدأت الحروب الصليبية تتجه إلى الشرق لتحرير الأماكن المقدسة المسيحية من حكم الإسلاميين وفى سبيل ذلك بدأت بيع صكوك الغفران لتمويل الحملات، وهى لمن لا يعلم بيع السماء (الجنة) بالأمتار. أصبحت الكنيسة فى ذلك الوقت متحكمة فى السياسة الأوروبية واحتكرت تفسير الكتاب المقدس ومنعت ترجمته للغات الحية، الألمانية والإنجليزية والفرنسية، حتى قام الراهب مارتن لوثر بترجمة الكتاب المقدس إلى الألمانية واكتشف أن ما يفعله البابا والكنيسة أبعد ما يكون عن الكتاب المقدس؛ فكتب 95 احتجاجا ووضعها على باب كاتدرائية وتنبرج عام 1517م. لذلك يحتفل العالم بمرور 500 عاما على الإصلاح العام القادم 2017، وبفضل نجاح الإصلاح أصبحت الدول الأوروبية علمانية؛ أى لا تحكم حكما دينيا وأصبح دور الكنيسة هامشيا أو مهمشا وأطلق على المصلحين لقب البروتستانت Protestant وتعنى «المحتجون» وقبلها المصلحون على أساس أنها تعنى (Pro testimony مع الشهادة)، وأيضا أطلقوا على أنفسهم «المصلحون».

من هذا الإصلاح خرجت الكنيسة الإنجيلية المشيخية والتى ينتمى إليها ترامب. بالطبع قامت حروب بين الكاثوليك والبروتستانت؛ فقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية كنائس الإصلاح خارجة عن الإيمان القويم وحرموا من دخول الجنة وبسبب تحول أعداد كثيرة إلى كنائس الإصلاح فكر البابا بولس السادس عام 1962 فى عقد مؤتمر أطلق عليه مؤتمر الإصلاح المضاد وفيه فتحت الكنيسة الكاثوليكية أذرعها لكل الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية، بل ولكل الديانات وعلى رأسها الإسلام واليهودية. من هنا بدأ الفاتيكان يتقوى شيئا فشيئا ويستعيد مكانته فى العالم بصفته القيادة الروحية خاصة عندما انتخب الفاتيكان البابا يوحنا بولس والذى بدأ يطلق تصريحاته القوية ضد ما هو غير الأخلاقى فى العالم وضد الإلحاد وخاصة الشيوعية وصار للفاتيكان فى عهده تأثيرا روحيا ضخم؛ حيث إن عدد الكاثوليك فى العالم مليار وثلاثمائة إنسان وفى أمريكا يقتربون من الستين مليونا وهذا يعادل التأثير السياسى لرئيس أكبر دولة فى العالم.

وهكذا صار الرئيس الأمريكى فى حاجة إلى تعضيد بابا الفاتيكان له سواء فى انتخابه أو فى قراراته المصيرية، ولقد كان لتوجهات وتحركات البابا يوحنا بولس بالاتفاق مع ريجان رئيس الولايات المتحدة الامريكية حينئذ الأثر القوى فى انهيار الاتحاد السوفيتى. ومن أهم هذه التحركات قيامه بزيارة وطنه الأصلى بولندا فى فترة كانت تموج بثورة ضد الحكم الشيوعى. كان الهدف منها تعضيد قائد العمال وقائد الثورة فاليسيا، وكان لخطبته فى الجماهير البولندية فى أكبر ميدان فى عاصمتها الأثر الحاسم فى نجاح الثورة وسقوط الحكم الشيوعى، بل كان تعضيد البابا لجورباتشوف الذى كان العامل الأول فى إسقاط الاتحاد السوفيتى والذى اعتبره الرؤساء التالين له عميلا غربيا لتفكيك الاتحاد السوفيتى وهو ما صرح به بوتين أخيرا.

من هنا وضح الدور الأخلاقى الروحى السياسى للكنيسة ورأسها بابا الفاتيكان وبالتالى لا يمكن فصل السياسة عن الأخلاقيات والروحيات والثقافة العامة، ولقد كان البابا يوحنا واضحا فى موقفه ضد الشيوعية وضد الإسلاميين المتطرفين وهو ما يسير عليه البابا الحالى فرانسيس، لذلك بدأ التلاسن بينه وبين ترامب الذى لم يفرق بين الإسلاميين المتطرفين وباقى المسلمين عندما صرح برفضه اللاجئين المسلمين دون تفرقة، بل وضع حد لدخول أمريكا. لكن هنا علينا أن ندرك أن التعاون بين الفاتيكان والمؤسسة الرئاسية الأمريكية كان دائما مع الحزب الجمهورى لأنه الحزب المحافظ؛ فالبابا يوحنا بولس تعاون مع ريجان وتعاون أيضا مع جورج بوش الأب ثم الابن إلا أنه عبر عن استيائه الشديد من غزو العراق وما يحدث فى الشرق الأوسط، وبقدر تعضيد البابا للحزب الجمهورى بقدر رفضه للتعاون مع الحزب الديمقراطي؛ ذلك لأن الحزب الديمقراطى يشجع حقوق المثليين وزواجهم والإجهاض... إلخ. ولقد وضح ذلك فى أحداث الربيع العربى الذى صنعه الديمقراطيون بفجاجة شديدة.

من هنا لا يعتبر الاختلاف بين ترامب وفرنسيس اختلافا جذريا فالفاتيكان بشكل عام يشجع سياسات الحزب الجمهورى كما ذكرنا من قبل، لكنه يتحفظ على رفض المهاجرين وعلى التعميم فى وصم المسلمين جميعا بالإرهاب. ويقول المراقبون إن هذين الأمرين سوف ينضبط فيهما ترامب عاجلا وليس آجلا لأن تصريحاته عنهما كانت من لزوم ما يلزم من الدعاية الانتخابية لكن لحظة دخوله البيت الأبيض وجلوسه على الكرسى سيقوم الكرسى بضبطه ليكون ترامب على مقياسه وليس العكس كما يظن البعض، فالرئيس الأمريكى سينفذ خطوطا عريضة لسياسات معروفة من سنين وممنوع عليه الاجتهاد فيها، ذلك لأن الأمريكان مقتنعون أن الرئيس من المستحيل أن يكون مبدعا خلاقا عملاقا يفهم فى التاريخ والجغرافيا والسياسة ويعتمد فى قراراته على ذكائه الخارق وقدرته على معرفة الغيب والمستقبل، هذا فضلا عن الإلهام الإلهى له ونشيدهم لن يكون فى يوم من الأيام (قول ما بدالك احنا رجالك ودراعك اليمين. سر على بركة الله).

***
لذلك فالشعب الأمريكى فى حاجة ماسة لأن يتعلم من الشعوب العربية العريقة التى لم تنحنِ لملك أو رئيس ولم تنهزم فى أى معركة سواء ضد الأجنبى أو الأخ العربى؛ فالحروب العربية / العربية تشبه التدريبات الميدانية ينتصر فيها الطرفان وعلى الشعب الأمريكى أيضا أن يتعلم كيف يتعامل مع الحاكم بأدب وليس العكس كما هو حادث هذه الأيام فى بلادهم المتخلفة.

 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات