فرصة سعيدة ويلزمنا ثورة - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 10:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

فرصة سعيدة ويلزمنا ثورة

نشر فى : الأحد 16 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 16 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

بلاغة الصورة تصل بالمعانى أحيانا الى أوجها، وتجعل مفاهيم مجردة مثل حقوق الإنسان تتجسد فى هيئة أشخاص من لحم ودم يتوقون إلى الكرامة والحرية. لذا انتشرت حول العالم مهرجانات سينما حقوق الإنسان منذ حقبة التسعينيات عندما بدأت فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم أخذت تغزو مؤخرا ما يسمى بدول الجنوب، فخلال الأشهر القليلة الماضية دشنت ليبيا والأردن وماليزيا وجواتيمالا مهرجانات لأفلام حقوق الإنسان، ثم تلتها مدغشقر وتونس الأسبوع الفائت.. إذ احتفل العالم فى العاشر من ديسمبر باليوم العالمى لحقوق الإنسان وهو يوافق ذكرى صدور الإعلان العالمى بهذا الصدد فى عام 1948.. وهو عن جدارة أسبوع خناقات الدستور فى مصر ومظاهرات قصر الاتحادية التى تابعها أهل تونس بشغف، ربما للتعرف على ما قد يواجههم عن قريب، فلم يخوضوا بعد معارك دستورهم بالتفصيل منذ وصول حزب النهضة الإسلامى للحكم من عام ونيف. ملايين المواطنين نزلوا إلى الشوارع فى البلدين ــ مصر وتونس ــ للمطالبة بأن يُسمع صوتهم وتُحترم حقوقهم. البعض عاش طويلا ليحظى بمثل هذه اللحظات.. لذا فهو لا يملك أن يفرط فيما تحقق ويتشبث بالحلم. هذا ما لمسناه من خلال أفلام أول مهرجان لسينما حقوق الإنسان فى تونس (6 ــ 9 ديسمبر الحالى) والذى أتى بطرح من جمعية ثقافية غير ربحية ( ACTIF)، على أساس أن دور المجتمع المدنى فى مرحلة التحول الديمقراطى يجب أن يتعدى الاعتراض والمطالبة إلى حيز الاقتراح والمبادرة. وقد حدد مدير المهرجان، المخرج إلياس بكار، ثلاثة محاور للأعمال المشاركة (نحو 38 فيلما روائيا طويلا وقصيرا وشرائط وثائقية) ألا وهى: الثورات وما يتبعها من عدالة انتقالية، حقوق المرأة، الهجرة.. مما يلخص إلى حد كبير الصراع الدائر حاليا بين روح وثابة انطلقت فى الشارع منذ يناير 2011 وقوى رجعية تقليدية تحافظ على مصالحها، مهما كان الثمن.

 

●●●

 

أتوقف عند سيدتين تعرفت عليهما من خلال فيلمين تسجيليين عرضا فى المهرجان.. الأولى هى الناشطة النسوية حليمة الجوينى بطلة فيلم «خط منكسر» للمخرج التونسى منير بعزيز التى ناضلت منذ أن كانت طالبة بكلية العلوم فى السبعينيات حتى تصل إلى الظرف الحالى، ولا تزال تعمل ضمن جمعية النساء الديمقراطيات لتحافظ على مكتسبات المرأة التى أقرها قانون الأحوال الشخصية التونسية لسنة 1956 والذى أعطى للسيدة على سبيل المثال حق تطليق زوجها ومنع تعدد الزوجات، وهى أمور قد تقفدها المرأة مع الدستور القادم.. ففى شهر أغسطس الماضى لاحت بوادر التراجع مع مناقشة مادة محتملة للدستور تتعلق بدور المرأة «باعتباره مكملا لدور الرجل»، بما ينافى المساواة الكاملة بين الجنسين.. الأمر الذى أثار حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية. موسيقى ثائرة وأشعار كأغنيات الزين الصافى تساعد على تصوير حياة المناضلة بهدوء يشبه كثيرا مخرج الفيلم الذى ينتمى لجيل حليمة نفسه، فقد ولد فى سوسة عام 1948 وقدم أول أعماله فى منتصف السبعينات. أما السيدة الثانية فهى الأم سعيدة كما يسميها مخرج ومؤلف الفيلم «يلزمنا ثورة»، كامو حميد (28سنة). لم يعد لها سوى «ولاد الحلال»، كما تقول، وولاد الحلال هم الثوار الذين انضمت إليهم من البداية فى القصبة.. فهى تسكن فى حى الصباغين بالمدينة القديمة ولا تمتلك تليفزيونا بل تتابع الأحداث بنفسها فى الشارع مكتسية بعلم تونس الأحمر رغم سنوات عمرها التى تعدت السبعين. نتابع سعيدة فى جولاتها من شمال إلى جنوب تونس لتعرفنا على أوضاع البلاد و آمال ناسها.. تتحدث إلى أمهات الشهداء: كل هذه التضحية دون شىء!؟ ماذا نفعل كى نعيش فى كرامة؟ يردد حارس المقابر: نحن نطلب الهناء. تصحبنا الكاميرا إلى عالم نمط آخر من الحالمين الذين يتغذون أيضا على أغنيات مارسيل خليفة «عيون ريتا» و«عندك بحرية»... أبيات من الشعر يطلقها البسطاء، ويأتى دائما أبدا ذكر القضية الفلسطينية على لسان الأبطال، تماما كما فى سيرة حليمة التى تتعرض لمثقفين وحقوقيين محترفين.

 

●●●

 

تغمغم سعيدة بجمل وهى تسير فى طريقها، تتحدث إلى نفسها ولكن تعبر عن الكثيرين: «اللى يموت يموت شهيد واللى يعيش سعيد»، « اتركوا الشباب يقرر.. انسحبوا.. ارحلوا»، « النار قدامكم ووراكم»... تمضى إلى حال سبيلها وسط المظاهرات لتهتف مع الجميع « غاز، خرطوش، توانسة ما يخافوش!»، ثم توجه كلامها للعساكر الموجودين بينهم والذين يطيعون الأوامر: «هما نهارات وماشيين، إحنا اللى دايمين».. تحلف بحياة العروق اللى كانت ميتة.. تلتقى بمحامية مناضلة فى منطقة فقيرة خارج حدود العاصمة، وتتفقان أن ما صار هو مجرد انتفاضة شعبية، وحاليا «يلزمنا ثورة»، ثورة توفر العمل والكرامة، لأنه من يعمل «لا يبقى ذليلا». هى تعلم جيدا أنها فرصة تاريخية للعيش بسعادة ولا تريدها أن تضيع.. فالحبيب بورقيبة وبن على، فى بداية حكمهما السلطوى، وضعا المفكرين والسياسيين فى السجن أو دفعوهما إلى المنفى، بل وصلت بهما الرغبة فى الإقصاء إلى تنفيذ حكم الإعدام على البعض.. أما الآن فلاتزال الفرصة سانحة لإقامة مهرجانا ونشر قيم حقوق الإنسان، فلنغتنمها كما فعل إلياس بكار وكما أوصت سعيدة بحكمتها الشعبية.

التعليقات