أهمية استكمال اتفاق السلام السودانى - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الجمعة 27 نوفمبر 2020 5:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

أهمية استكمال اتفاق السلام السودانى

نشر فى : الجمعة 16 أكتوبر 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الجمعة 16 أكتوبر 2020 - 9:55 م

جرى توقيع اتفاق السلام السودانى بين الحكومة الانتقالية والفصائل المسلحة السودانية المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية» فى جوبا عاصمة جنوب السودان يوم 3 أكتوبر2020 وسط حضور إقليمي ودولي رسمي، واحتفالات شعبية مفعمة بالفرحة والأغانى والرقصات على أنغام الموسيقى الشعبية فى جوبا، وإشادة من عدة أطراف إقليمية ودولية، وشرائح عريضة من الشعب السودانى، ابتهاجا بانتهاء مرحلة من القتال دامت نحو 17 عاما أسفرت عنها خسائر فادحة فى البشر والموارد، ونزوح آلاف السكان من مساكنهم وقراهم، وإشاعة حالة من عدم الأمن والاستقرار، كان لها أسوأ الآثار على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى السودان، وفتحت الأبواب للتدخل الخارجى فى شئونه.

وقد تم التوقيع على 8 بروتوكولات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والتعويضات للمتضررين، وترتيبات ملكية الأراضى، وعملية تطوير قطاع المراعى، وتقاسم السلطة والثروة، وعودة اللاجئين والنازحين. وفيما يتعلق بتقاسم السلطة يخصص للجبهة الثورية 3 مقاعد فى مجلس السيادة الانتقالى ويرتفع عدد أعضائه من 11 إلى 14 عضوا، وخمسة حقائب وزارية ليرتفع عدد حقائب الحكومة الانتقالية من 20 حقيبة إلى 25 حقيبة، و75 مقعدا فى البرلمان المتوقع أن يبلغ عدد أعضائه 300 عضو. أما بالنسبة لتقاسم الثروة فإن المناطق المتضررة تحصل على 40% من عوائد الضرائب والموارد والثروات المحلية، وتئول 60% إلى السلطة المركزية. ويضمن الاتفاق تمديد الفترة الانتقالية إلى 39 شهرا التى بدأت 3 أكتوبر2020، تاريخ توقيع الاتفاق.
كما عالج الاتفاق عدة نواحى منها وأهمها وقف الحرب، واحترام التعدد الدينى والثقافى والتمييز الإيجابى لضحايا الحرب فى الأقاليم وهى: دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، ومنح منطقتى النيل الأزرق وجنوب كردفان صيغة حكم ذاتى حددت من خلالها السلطات المحلية والفيدرالية، بما فى ذلك سن القوانين والتشريعات التى اتفق على أن تستند إلى دستور 1973، وتشكيل مفوضيات أهمها مفوضية الحريات الدينية، ودمج مقاتلى الحركات المسلحة فى الجيش السودانى على ثلاث مراحل تنتهى بانقضاء فترة المرحلة الانتقالية، واستثناء قادة الحركات المسلحة من المادة 20 بالوثيقة الدستورية التى تحرم كل من شغل منصبا فى السلطة الانتقالية من الترشح فى الانتخابات المقبلة. هذا إلى جانب تحديد نسب توزيع السلطة فى دارفور بين عدة حركات وهيئات.
***
كانت أبرز الحركات الموقعة على الاتفاق والمنضوية تحت راية الجبهة الثورية هى حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بزعامة منى اركومناوى، والحركة الشعبية شمال بقيادة مالك عقار، إلى جانب فصائل أخرى صغيرة ضمن الجبهة الثورية. وقد وقعت عدة دول ضامنة على الاتفاق وهى: تشاد، ومصر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، ومندوب عن الاتحاد الإفريقى، ومندوب عن الاتحاد الأوروبى، ومندوب عن الأمم المتحدة، وذلك بهدف إضفاء جدية وثقة هذه الأطراف فى أهمية الاتفاق، وضرورة الالتزام فى تطبيقه بمواده نصا وروحا لبناء الثقة بين الأطراف السودانية وتشجيع الحركات الأخرى التى لم تنضم إلى الاتفاق إلى الانضمام لعملية السلام وتحقيق الأمن والاستقرار فى السودان من أجل إعادة اللاجئين والنازحين وإعادة الإعمار.
وقد أكد رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك أن الاتفاق ليس لاقتسام السلطة، ونوه بأهمية السلام لتحقيق التنمية المستدامة والديمقراطية، ودعا الحركات المسلحة السودانية الأخرى للحاق بعملية السلام وأن حكومته ناقشت معهم كل القضايا. وهو نفس النداء الذى وجهه رئيس جنوب السودان سيلفاكير ميارديت لهم، وأشار إلى الصعوبات التى تكتنف تطبيق اتفاق السلام السودانى التاريخى. ودعا نائب رئيس مجلس السيادة السودانى محمد حمدان دقلو (حميدتى) إلى تطبيق الاتفاق على أرض الواقع لأنه سيوقف الحرب ويحقق السلام والعدالة. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة السودانية قد دمرت مؤخرا ما يزيد على 300 ألف قطعة سلاح جمعتها قوات الجيش فى إطار حملة مصادرة السلاح غير القانونى فى السودان؛ لأنه يهدد كيان الدولة، وأضعف دور الجيش وبقية المؤسسات الأمنية، وجعل الدولة فى بعض الأحيان تحت رحمة الجماعات الإرهابية. وإن إجراء تدمير الأسلحة غير الشرعية مكمل لعملية السلام فى السودان.
***
وغاب عن توقيع اتفاق السلام السودانى حركات مسلحة ذات وزن كبير أبرزها الحركة الشعبية بزعامة عبدالعزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور الذى يقيم فى فرنسا، وقد أدلى بحديث لجريدة الشرق الأوسط عقب توقيع الاتفاق تناول فيه عدة نقاط أهمها:
• لا يريد وظيفة أن يكون وزيرا أو سفيرا وإنما يريد سلاما مستداما يخاطب جذور المشكلة ولا يعمقها، وأن العسكريين والمدنيين اختطفوا الثورة، وفرضوا عليه وحركته سياسة الأمر الواقع، وهو يرفض ذلك.
• إن المفاوضات بين الحكومة والمعارضة تنتهى دائما بتقاسم السلطة وإن هذه هى أزمة السودان؛ لأن ذلك ليس حلا للمشكلة وإنما حل مشكلة المختصين، وهى الطريقة المتبعة منذ الاستقلال 1956.
• ترى حركته أن السودان دولة غير مؤسسية سيطر فيها الجيش على السلطة على مدى خمسة عقود وظل يحارب الجنوبيين إلى أن حدث الانفصال، كما حارب المواطنين فى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وسلحت حكومة البشير الميليشيات المعروفة بالجنجويد فى دارفور، وغيرها من الميليشيات، فعاثت فسادا وقتلا.
• إنه لكى يكون هناك سلام دائم يتعين أن يسود الأمن ونزع أسلحة الميليشيات والقبائل وإعادة القبائل التى طردت من أرضها وإبعاد المستوطنين الجدد، ومنح هذه القبائل التعويضات الجماعية والفردية، وتسليم المجرمين للعدالة الجنائية.
• ضرورة تدارك الأسباب التى تدعو الناس إلى حمل السلاح، وتجنيب أسباب الحرب ووضع الحلول، وبحث لماذا يمتلك السودان كل مقومات الاقتصاد من أراض زراعية، وموارد مائية، ومناخات متعددة ويفترض أن يكون سلة غذاء فى المنطقة، ومع ذلك يعانى من المجاعة، ويسجل تراجعا اقتصاديا مستمرا.
• التمسك بالسودان الموحد وأن دارفور يمثل نحو نصف مساحة السودان، مع إزالة الأسباب التى تجعل الناس يفكر فى حق تقرير المصير.
• فصل الدين عن الدولة وأن يكون السودان علمانيا ديمقراطيا.
• طرح برنامج لحكومة انتقالية من شخصيات مستقلة وليست حكومة محاصصات حزبية كما تم الآن.
• وضع خطة عاجلة تحقق أولويات المواطن فى الحياة الكريمة، وتعالج المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وإلا فسيستمر تدوير الأزمة.
• إن الاتفاقية التى وقعت فى جوبا فى الثالث من أكتوبر 2020 تكرار لاتفاقيات أبوجا والدوحة وغيرها وإنه الاتفاق رقم 47، وإن كل مجموعة تحمل السلاح تأتى لتبحث عن محاصصة فى الحكم دون النظر لقضية المواطن السودانى، ودون بحث أسباب حمل الناس للسلاح.

***
وقد أفادت معلومات بأن نائب رئيس مجلس السيادة السودانى محمد حمدان دقلو (حميدتى) أجرى اتصالات مع المبعوث الفرنسى للسلام فى السودان للعمل على إقناع رئيس حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، المقيم فى فرنسا، بالانضمام إلى عملية السلام فى السودان حتى يعم السلام إقليم دارفور والسودان كله.
أما رئيس الحركة الشعبية، عبدالعزيز الحلو، فقد التقى يوم 2/10/2020 عشية توقيع اتفاق السلام السودانى، مع رئيس الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك، فى جوبا، بحضور رئيس جنوب السودان سيلفاكير، وبحثوا عملية السلام بما يؤدى إلى استئناف المحادثات بين الحركة والحكومة الانتقالية. كما التقى الحلو مع حميدتى نائب رئيس مجلس السيادة السودانى فى جوبا برعاية رئيس فريق جنوب السودان فى الوساطة من أجل السلام فى السودان، توت قلواك، واتفقوا على استئناف المفاوضات لتجاوز جميع العقبات التى أدت إلى توقفها، وتنظيم ورش عمل تناقش العقبات وتعزيز مساعى تحقيق السلام.
وقد أدلى عبدالعزيز الحلو بتصريحات أشار فيها إلى تمسكه بالاتفاق الموقع بينه ود. حمدوك فى 4 سبتمبر2020 فى أديس أبابا والذى ينص على إطلاق عملية سلام جديدة بين الحكومة والحركة والتفاوض على أساس إقامة دولة ديمقراطية، ودستور يقوم على فصل الدين عن الدولة، مع احتفاظ الحركة بحق تقرير المصير فى حال إخفاق المفاوضات فى التوصل إلى اتفاق حول المبادئ الموقع عليها.
وكانت حركة الحلو قد انسحبت من المفاوضات بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية فى 19 أغسطس 2020، وتتمتع الحركة بنفوذ كبير فى منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق، وتعلن أنها تسعى للوصول إلى اتفاق يخاطب القضايا الأساسية ويحقق علمانية الدولة.
ويلاحظ أن الحركة الشعبية، تكاد تكون الحركة الوحيدة التى أشار قائدها عبدالعزيز الحلو إلى حق تقرير المصير فى حال فشل التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الانتقالية، وهو مؤشر يحمل فى طياته إما وسيلة للضغط على الحكومة الانتقالية أو رغبة كامنة للاتجاه نحو الاستقلال وتجزئة أخرى للسودان.
كما أن مطلب أن يكون السودان دولة علمانية وفصل الدين عن الدولة، وهو ما تتفق على المطالبة به حركتى الحلو وعبدالواحد محمد نور، ليس مطلبا يسهل تحقيقه فى السودان فى ظل ما هو معروف عن قوة الجماعات الدينية سواء الأنصار أو الصوفيين وغيرهم، وقد تحتاج إلى مصالحات مناطقية وفق أغلبية معتقدات كل إقليم فى السودان فى ظل صياغات عامة توافقية.

وقال مبارك الفاضل، رئيس حزب الأمة السودانى، إن عدد الحركات المسلحة فى دارفور وحدها نحو 85 حركة، ووقع منها على اتفاق السلام خمس حركات فقط. كما أن الاتفاق يحتاج لإجراءات تشريعية وأنه لا يوجد سلطة تشريعية الآن لذا سيستغرق الأمر بعض الوقت لإضفاء الشرعية القانونية على الاتفاق.

إن السودان يحتاج إلى جهود مكثفة وصادقة داخليا وإقليميا ودوليا لتحقيق السلام الشامل على كل أراضى السودان، والتركيز على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات