المهرج - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 27 سبتمبر 2020 1:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المهرج

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2020 - 9:35 م

هذا هو المقال الرابع الذى يبحث عن الشخصية القبطية فى الأدب المصرى بعد ثورة يناير ويتعرف على ما إذا كان قد طرأ على تناولها أى تغيير، ومدخلى إلى ذلك هو رواية «المهرج« للكاتب الكبير نعيم صبرى والتى صدرت عن دار بتانة عام ٢٠١٧. جريا على طريقة نعيم صبرى فى التأريخ للتطور المجتمعى من خلال أعماله الأدبية، جاءت رواية «المهرج« لتؤرخ لعام مهم فى عمر مصر هو الممتد من يناير إلى ديسمبر ٢٠١١، وهو عام بمائة عام. وفى الرواية يحكى المؤلف عن تفاعله مع الثورة وتوابعها، فيقول إنه كان واثقا أن مكانه فى التحرير حيث الاحتشاد والهتاف وحيث أغانى الثنائى نجم وإمام، لكنه كان فى كل صباح وبعد أن يعقد العزم على الذهاب لا يجد فى نفسه الهمة ليذهب، وكان يبرر لنفسه بأن التحرير بعيد عن مسكنه، أو بأن الطرق غير آمنة، أو بأنه لا يعرف كيف يتصرف فى الميدان، أعذار.. أعذار.. حتى كان يوم ٨ فبراير عندما استيقظ وقد حسم أمره، حمل بعض البقسماط والجبنة البيضاء والجبنة المثلثات والتمر واستقل تاكسيا أخبر سائقه بنوع من «التطهر الخائب« أنه ذاهب للاطمئنان على الشباب الذى خاطر بحياته من أجل الإصلاح. ذهب مرة واحدة ولم يكررها، لكنه ظل يتابع بكل كيانه تطور الأحداث على مدار الساعة، وحتى عندما ذهب لزيارة ابنته وحفيدته سارة ولارا فى زيورخ وقرر التوقف عن متابعة أخبار مصر، لم يقدر فهو الشبراوى الأصيل الذى لا تبارحه شبرا بدورانها وجيرتها وقعداتها الحلوة أينما ذهب.
***
سألتُ نعيم صبرى: لماذا اخترتَ لروايتك عنوان «المهرج «وليس «المتفرج« وأنت تفرجت على الثورة ولم تتندر عليها؟ فرد بما مضمونه: أردت أن أجلد نفسى.. فأنا بتكوينى وتفكيرى وتاريخى كان يجب أن أكون فى التحرير لكنى افتقدت الطاقة النفسية. لقد شعر كاتبنا بالتقصير لأنه وهو المفكر القريب من الماركسية وطالب الهندسة صاحب النشاط السياسى والذى اعتُقل عام ١٩٦٦، كان يُفترض فيه أن يكون مناصرا للثورة أكثر من ذلك بكثير. يملك نعيم صبرى شجاعة الاعتراف والبوح أو احترام الضعف الإنسانى كما يقول، بينما هناك بشر لم «يهوبوا« ناحية التحرير وانتحلوا لأنفسهم أدوارا بطولية عظيمة فى يناير، لكن على أى حال هذا لا يعنى شيئا بالمرة وليس حجة على أحد، فسوف يعود هؤلاء المنتحلون ليخلعوا عباءة يناير بكل سهولة ويرتدوا عباءات أخرى قد تكون عباءة يونيو أو عباءة ما قبل يناير. لكن تعال هنا يا أستاذ نعيم.. تتكلم عن الماركسية والعدالة الاجتماعية وتجلد نفسك لأنك لم تثر كما ينبغى بينما تقول فى «المهرج« إنك كنت تحلم منذ سنوات مراهقتك بأن تكون «سلطان زمانك« أى تكون «أميرا ابن ملك« ثم بعد عمر طويل تصبح ملكا، فهل يثور الأمراء والملوك؟ أكيد لأ فلماذا إذن تمارس جلد الذات فى «المهرج«؟ تستطيع أن ترد بأن الحلم حلم.
***
فى تأريخه لعام يشيّب من عمر مصر، سار صاحب «المهرج« فيما يمكن وصفه بالخطين المتوازيين، الخط الأول ذاتى بأن قدّم لنا ما يشبه اليوميات عن حياته فى داخل أسرته الصغيرة وعاداته اليومية، وحكى لنا عن ذلك الأمل الذى توّلد فى داخله وهو يرى مصر تتغير وهو نفسه يتغير فإذا به يعود للإدلاء بصوته فى كل استفتاء وانتخابات بعد أن توقف من سنين بسبب تعقد الإجراءات. لكن الأمل لم يكن وحده هو ما داخَل نعيم صبرى فقد انتابه أيضا قلق وأرق وغضب واضطراب عظيم، انقلب حاله وهو يتابع مشهدا مخيفا يحاول فيه أدعياء الدين أن يحوّلوا مصر التى نعرفها إلى مصر التى لا نعرفها ولا نريد أبدا أن نعرفها، مصر منزوعة الروح والفن والابتسام والتنوع ومنزوعة التاريخ. قلبى معك يا أستاذ نعيم وأنت تغترب وتغترب عن وطنك حتى تكاد تجد نفسك خارج حدوده وإن كنت لم تبارحه، قلبى معك يا ابن شبرا، وشبرا عالم بذاته ما نشأ فيه أحد إلا ولمع وما كتب عنه أو غنّى له أحد إلا وانطلقت شياطين إبداعه، وشياطين الإبداع لا تثريب عليها. قلبى معك يا من كتبتَ فى بداية روايتك الأشهر والأروع «شبرا« مستنكرا الحديث الدوّار عن الآخر فقلت بغضب « أى آخر؟ لم يكن الآخر ذا وجود من الأساس، لم يكن معنيً مدرَكا فى الوعى الجمعي«، فكيف بك وهذه الوجوه العابسة ذات العروق النافرة ورافعة الرايات العجيبة الغريبة، كيف بك وهؤلاء كالتسونامى يجرفون أمامهم من ليس منهم فلا يجدون من يصدهم؟ هكذا أمرضَ الوقع الكئيب مؤلفنا وعطلّ عنده حواس القراءة والموسيقى، وتلك حواس اختص بها الله عباده المبدعين، أما حاسة التذوق التى فقدها المؤلف فما عاد يشتهى الطعام فإنها حاسة ديمقراطية لا نخبوية، حاسة متاحة للجميع.
***
الخط الثانى الذى سار عليه نعيم صبرى فى روايته «المهرج« كان هو خط التوثيق، فلقد حشد لنا الكاتب الكبير عشرات العناوين والمانشيتات من الصحف المصرية الثلاث: الأهرام والشروق والمصرى اليوم خلال عام ٢٠١١، وتركها تتكلم بنفسها لتفضح للقارئ الكريم التناقضات فى مواقف القوى السياسية وتوضح لمن فى قلبه ذرة شك مدى عمق الهاوية التى كانت تنتظر مصر قبل ٣٠ يونيو. سألتُ أستاذ نعيم: كيف انتقيتَ عناوين الأخبار التى سجلتَها فى روايتك من بين مئات العناوين التى مرت أمامك؟ ورد بما مضمونه: أخذ منى ذلك جهدا كبيرا لاختيار العناوين الأكثر دلالة، وربما أسرفتُ قليلا فى عددها كما قال البعض. حسنا سأحاول أنا من جانبى أن أكون انتقائية فى استعراض بعض العناوين التى جاءت فى روايتك كما يلى «الأقباط يحرسون المسلمين أثناء الصلاة« (يعقب أستاذ نعيم قائلا «ما معنى أن الأقباط يحرسون المسلمين أثناء الصلاة؟ ولماذا محاولة إضفاء طابع طائفى على أحداث الثورة؟ الأوقع والأبسط أن بعض المصريين يحرسون بعضهم الآخر أثناء الصلاة«)، «الإخوان تعلن عن عدم تقديم مرشح للرئاسة والبابا شنودة يطالب بفتح حوار مع الجماعة« (تعقيبى: لقطة ذكية)، «آلاف الأقباط يعتصمون احتجاجا على هدم كنيسة صول«، «طائفية أطفيح تتحدى الثورة وتنتقل لمنشية ناصر«، «النيابة تأمر بسرعة ضبط مقيمى الحد على مواطن قبطى فى قنا« (تعقيبى: حد؟!) «أقباط يشكلون حركة شباب ماسبيرو« (تعقيبى: تطور إيجابى مهم)، «مرشد الإخوان: انتهى زمن فصل السياسة عن الدين«، «إخوان سوريا وتركيا وماليزيا وحماس فى افتتاح مقر الجماعة بالمقطم«، «الإخوان والوفد يتفقان على قائمة موحدة فى انتخابات الشعب« (تعقيبى: الدين لله والوطن للجميع فعلا!)، «معركة الإسلام هو الحل: الأحزاب ترفض والإخوان لن ندخل دونه«، «البابا شنودة: دماء أولادنا ليست رخيصة« (تعقيبا على أحداث ماسبيرو)، «الدعاية السوداء: الحرية والعدالة يهاجم الأقباط«، مليونية للهوية وأخرى بمرجعية إسلامية وثالثة ورابعة وخامسة... صارت الصورة واضحة تماما: فراغ السلطة ملأه الإخوان ثم التحق بهم السلفيون كعادتهم فى الاصطفاف مع الحاكم ومسايرة اتجاه الريح، وفى الأثناء كانت القوى الحزبية مفككة وتحول شباب الثورة إلى نجوم فى الفضائيات. طاش صواب المؤلف وراح يسأل «هى دى مصر؟ إلى أين تذهبين يا مصر؟«. يا أستاذ نعيم أما أن هذه مصر، فهى ليست بالطبع مصر التى عشتَ أنت فيها وكبرتَ وأحببتَ وتخرجتَ وتسكعتَ وجاورتَ فيها صاحب الثلاثية على كازينو قصر النيل، أما إلى أين تذهب مصر فلم يكن أحد يعلم وجهتها فى ذلك الوقت إلا الله.
***
وبينما يسير الكاتب على خطيه المتوازيين ويؤرخ للثورة بنظرة ذاتية وأخرى وثائقية، لم يفته أن يضع هذه الثورة فى سياقها الإقليمى فراح يتابع تطور مظاهرات البحرين وليبيا واليمن، ويحدثنا عن انفصال جنوب السودان، ويلمح لشروع إثيوبيا فى بناء سد النهضة. آه لو كانت بصيرتنا نافذة فى هذا العام لما سمحنا بعدوان الأطلسى على ليبيا ولانتبهنا لألاعيب أديس أبابا، فى بعض الصفحات وددتُ لو أقول للزمن: قف.. لف وارجع تانى لكن ما الفائدة؟ الماضى لا يعود. نغير الموضوع ونقول لم يكتف الكاتب بتشبيك الداخل مع الخارج بل قام بتشبيك الداخل مع الداخل، فربط ثورة يناير بثورتّى القاهرة الأولى والثانية وبهوجة عرابى، وبينما نحن نتابع مظاهرة النساء فى ٢٠١١ إذا بنا نجد أنفسنا فى قلب ثورة ١٩١٩ فيختلط هتاف الشعب يريد إسقاط النظام بهتاف سعد سعد يحيا سعد.
***
سألتُ المؤلف سؤالا أخيرا: كيف نظرتَ إلى ثورة يونيو وأنت تلميذ نجيب محفوظ الذى كان صندوق الانتخابات بالنسبة له مفتاح التغيير؟ رد نصا: لو كان الأستاذ نفسه موجودا لما اعترض لأننا أمام إرادة شعبية عارمة تم تنفيذها بإجماع الرموز السياسية والدينية. قلت: عُلِم وأتفق معك. يا أستاذ نعيم قلّبت علينا مواجع عام كبيس كبيس، لكنها مواجع مفيدة على أى حال، فالبعض بيننا نسى ما جرى فى هذا العام الكبيس والبعض الآخر فينا ادعى النسيان.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات