دروس أوروبا وتاريخها الوجيز - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 12 أبريل 2021 12:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

دروس أوروبا وتاريخها الوجيز

نشر فى : الثلاثاء 16 مايو 2017 - 10:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 مايو 2017 - 10:55 م
عادة لا أميل إلى قراءة كتاب مترجم إلا إذا استقر فى يقينى أن صاحب الترجمة يمكنه أن يضيف شيئا إلى الكتاب الأصلى، خاصة إذا كان مؤلفا بلغة أجيدها بادئ الرأى. «أوروبا تاريخ وجيز» لصاحبه الكاتب الأسترالى الراحل عن دنيانا حديثا چون هيرست، هو الكتاب الذى حظى باهتمام وترجمة أستاذى الدكتور محمود محيى الدين وزير الاستثمار الأسبق، ونائب رئيس البنك الدولى حاليا. الكتاب الصادر عن دار الشروق، يهضم لك قرونا من تطور التاريخ البشرى فى بقعة من قلب العالم القديم، كان لها أكبر الأثر فى تشكيل حضارات الغرب المتقدّم، ورسم مستقبل الإنسانية كلها على نحو متفرّد.
صاحب الترجمة كما أعرفه رجل يملك ناصية اللغتين، سياسى يقرأ الإشارات ويستخلصها من بين السطور، واقتصادى يدرك سببية الصراعات واتصال أولها بآخرها، فى اتساق مع تطور الفكر الاقتصادى، وتبدل مراكز القوى المجتمعية والسياسية فى قارة أوروبا بالتزامن مع تحولات الأهمية النسبية لعناصر الإنتاج المختلفة وللفئات المنتجة عبر الزمن.
أما المؤلف فقد عمل أستاذا جامعيا ومستشارا لرئيس الوزراء الأسترالى. أراد أن يقص على مواطنيه فى كتاب مختصر تاريخ أوروبا الذى هو منبت حضارتهم. كأنى به وقد أمسك بيده مصباحا سلّطه على صور ولقطات تومض من تاريخ طويل، فألقت فى روع كل مشاهد معنى متميزا لقصة قصيرة، التأمت فيها عناصر متعددة سمحت لقارئ الكتاب أن ينظر إلى التاريخ من زاوية أوسع من تلك التى عادة ما يفرضها المؤرخون، زاوية تسمح بالقياس والإسقاط، تكشف لك فى جداول ومربعات عن رؤية المؤلف لأبرز المحطات، لكنها أبدا لا تجبرك على إهمال منظورك الخاص للأحداث.
***
أحداث الكتاب ليست موضوع هذا المقال، وتاريخ أوروبا الذى صاغته ملايين التفاصيل الإغريقية والرومانية والچرمانية والقوطية والإسلامية.. وتواترت عليه نزعات استعمارية ودينية وفاشية وقومية ووحدوية..لا يتسع لكتاب ناهيك عن مقال محدود، لكننى أحاول أن أحذو حذو مؤلفه ومترجمه فى الإيجاز واستخلاص الإشارات والعبر. تلك العبر التى أعتقد أنها استحوذت على وجدان صاحب الترجمة، وهو يفتش فى تاريخ الأمم عن مستقر لحالة الفوران التى تعصف ببلادنا العربية فى الوقت الراهن. أعرف هذا لأَنى دائم البحث فى التاريخ عن أبواب إخلاص والانطلاق إلى المستقبل.
أوروبا التى نراها اليوم لامعة براقة، دفعت ثمن هذا البريق غاليا عبر السنين. دفعت الثمن دما وعرقا ونضالا وعلما، لكن سيناريو واحدا بين عدد لا نهائى من الاحتمالات أمكن أن يضع لمسات التطور الأخيرة على أوروبا. هذا السيناريو ما كان له أن يحدث لولا إدراك الأوروبيين أن قوتهم الفعلية مناطها الاختلاف والتنوع، وهو درس وعاه الأمريكيون بعد ذلك، حتى إنهم يمنحون تأشيرة للهجرة بغرض تعزيز التنوع (أظن الرئيس الحالى أراد وقفها!). هذا الاختلاف من شأنه أن يكسب الجنس البشرى صفات مختلفة، ويثرى اللغة والفنون ويجعل العلم بناء متعدد الطوابق. كل أمة تبنى على ما أسسته سابقتها عوضا عن الهدم وإعادة البناء الذى يجعل أعمار الدول قصيرة قصر أعمار الأفراد. هذا التراكم المعرفى يعززه الصراع والمنافسة المستمرة، والتى هى جوهر عملية التحديث، بل إن الحروب المدمرة التى كانت وبالا على أوروبا والعالم وخاصة الحربين العالميتين، أتت بوفورات إيجابية على التصنيع والتحديث.
سباق التسلح اجتمعت فيه العلوم والمهارات الفنية، وتحركت به ماكينات المصانع، ودحرت به نظريات «مالتس» (ولو مرحليا) فلم تنم الموارد بمعدل أبطأ كثيرا من نمو السكان، خاصة مع الثورة التكنولوچية. كذلك فشلت نبوءة «ماركس» فى حتمية ثورة العمال فى الدول الصناعية الكبرى وفى مقدمتها بريطانيا، بينما كانت الدول الأقل انفتاحا وتصنيعا حاضنة لاضطرابات وثورات عمالية مثل فرنسا وروسيا والصين! صحيح أن النبوءة تحقق ذاتها أحيانا، لكن الخوف من تحققها كثيرا ما يغيّر مسار التاريخ. الخوف من المانيفستو الشيوعى مثلا حدا بحكومة بريطانيا إلى تحقيق قدر يسير من مطالب العمال. جيوب تفريغ شحنات الغضب درس مهم من دروس الكتاب. وشيوع وانتشار الأفكار المدمّرة والدموية، ووجود بيئة ثرية لحضانتها مرهون بقيود الاستبداد والقهر ونمو الشعور بالمهانة والإذلال.. داخليا كان شعور البلشفيك بالقهر فى روسيا سببا لتخلى الطبقات الفقيرة عن نصرة قياداتهم فى الحرب الأولى، بل إن «لينين» نفسه نقل إلى روسيا فى قطار يحميه جنرالات ألمانيا المقرين بالهزيمة! دوليا كانت معاهدة «ڤرساى» المذلة للألمان سببا فى الترويج للنازية، وبناء شعبية لها فى ألمانيا والنمسا، ووضع بذور حرب مدمرة ثانية، وفشل أوروبا فى إيجاد نموذج ديمقراطى ناجح بين الحربين.
***
الأديان كان لها نصيب كبير من صفحات الكتاب، والتنافر العميق بين طبيعة المعتقدات التى سيطرت على أوروبا كان سببا فى سفك الدماء بغزارة داخل أوروبا وخارجها عبر محاكم التفتيش والحروب الصليبية وغيرها، لكن ترى كان ذلك ضروريا كى يتوصل العقل الأوروبى الحديث إلى حتمية قبول الآخر وفصل الدولة عن الدين؟! أعتقد هذا، ثورة «مارتن لوثر» الدينية كانت هى الأخرى نتاجا لذلك. علم الأوروبيون أو هم يعلمون اليوم أن القتل باسم الدين لن يفنى الآخر المختلف معك، ولم يدخله قسرا فى شيعتك، ولن يزيده إلا إصرارا على إفنائك، فهى معركة صفرية إذن الكل فيها خاسرون. لم يقل الكتاب هذا لكننى قرأته.
كانت حركة التنوير هى الأقوى والأكثر تأثيرا فى المجتمع الأوروبى ما بعد عصر النهضة، لكن الدين ظل ضروريا لربط البشر بأسباب البقاء والتناسل، وربما كانت الحكومات ترعاه للسيطرة على الفقراء كما اعتقد ماركس.
***
من بين ما لمسته فى تاريخ أوروبا الوجيز أن التخلى عن السلطة أمر صعب، وأن الحكومات المختلفة سواء كانت ملكية استبدادية أو دستورية أو جمهورية.. جميعها تسعى إلى تكثيف السلطات، ولا تتخلى عن جانب منها لسلطة أخرى أو للشعب مباشرة إلا بضغوط دولية أو شعبية أنجحها ما كان عبر طريق راديكالى بنفس طويل، لأن الطريق الثورى يفشل فى كل مرة! وإن كان بالتأكيد ينجح فى خلق حالة حراك تغيّر عقيدة المواطنين، وتسمح للإصلاح التدريجى أن يسير بخطى أكثر رسوخا لمصلحة الشعب، بعيدا عن مماطلة وحيل الساسة.
طبقات وفئات تنحاز إلى جلاديها خشية المجهول، رجال يؤثرون مصلحة الجمهورية على أبنائهم وذويهم منذ نشأة روما وما قبلها، نعرات قومية تغذيها الحكومات تتحول إلى فاشية ونازية مقيتة، ثم تنتهى بتطهير عرقى وحروب إبادة.. صراعات نفسية ودولية كبرى فى صفحات الكتاب الموجز.. كلها تبرز أن ما تعيشه أوروبا اليوم من حالة فريدة لتوازنات دقيقة يشبه جاذبية الشمس التى تحافظ على مدى الكواكب.. فالكوكب يجرى فى خط مستقيم، والشمس تشده إليها فينشأ مداره حولها، فلا يتيه منفلتا منفردا فى الكون الفسيح، ولا تجذبه الشمس فيحترق، هكذا أوروبا الموحدة الآن، توازن بين حس قومى ضرورى ونزعة للاتحاد، بين ارتباط بالكنيسة التى تقلصت دورا ومساحة عبر الزمن، وبين قبول مختلف العقائد والإلحاد، بين منح السلطة للشعب وبين ترشيدها كى لا تكون عبئا على الوطن كما توصل كبار فلاسفة الإغريق لدى توصيفهم لديمقراطية أثينا المباشرة. دروس كثيرة وعبر يضيق بها المقال فهل نعى بعضها فى بلادنا كيما ينصفنا التاريخ؟!
خبير الاقتصاد والتمويل وإدارة المخاطر

 

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات