أنا.. والملكة إليزابيث - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 6 مايو 2021 3:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


أنا.. والملكة إليزابيث

نشر فى : الجمعة 16 أبريل 2021 - 9:20 م | آخر تحديث : الجمعة 16 أبريل 2021 - 9:20 م

هناك أحلام وأمنيات تبدو بعيدة أو شبه مستحيلة، لكن يمكننا أن نتمنى تحقيقها بل ونعمل على ذلك رغم معرفتنا بصعوبتها، لكنْ أيضًا هناك آمال لا يمكن أن تخطر على بالنا؛ لأنه من المستحيل أن نتخيلها أو نضعها بين أمانينا وأحلامنا، لذلك هى ليست على بالنا أصلًا، وبالتالى لا نحلم بها ولا نترجى وقوعها، وهذا النوع الأخير هو ما أريد أن أحكى لك ــ عزيزى القارئ ــ عنه.

كيف حدث ما لم أتمنه أو أحلم به؟! نحن نعلم أن الطوائف المسيحية الرئيسية فى مصر هى الأرثوذكسية وهى الأقدم من القرن الأول، وتأسست على يد مرقس الرسول الذى سار بمحاذاة البحر الأحمر مع كثيرين من اليهود والمسيحيين، نتيجة خراب أورشليم عام ٧٠م على يد الإمبراطور تيطس الرومانى، ودخلوا إلى مصر التى استقبلتهم، وهناك أسسوا كرسى مرقس الرسول فى الإسكندرية. أما الطائفتان الأخريتان الكاثوليكية والإنجيلية فالأولى جذورها فى روما، وجاءت نتيجة انقسام الكنيسة عام ٤٥٠م، حول قضية لاهوتية رئيسية تختص بطبيعة السيد المسيح، إلا أنها لم تدخل مصر إلا فى القرن التاسع عشر، لكن البعض يعتبر زيارة القديس الراهب فرنسيس الأسيسى الذى جاء مع الحملة الصليبية فى القرن الحادى عشر وطلب مقابلة الملك الصالح أيوب وأقام معه حوارًا، وقد رحب به الصالح أيوب وطلب أن يأخذ حريته فى التنقل... إلخ، وقد اعتبر البعض أن هذا اللقاء هو تأسيس للكنيسة الكاثوليكية المصرية والذى اكتمل فى القرن الـ19. أما الكنيسة الثالثة وهى الإنجيلية فقد كانت هناك محاولات لبداية العمل الإنجيلى من عام 1633م لكنها لم تنجح، ثم جاءت محاولات أخرى عام 1750م، ولم تنجح أيضًا، وأخيرًا جاءت الخطوة المرسلية الجادة فى مصر عام ١٨٥٤م على يد مرسل أسكتلندى مشيخى، وكان محاميًا يدعى چون هوج، وكان تابعًا لكنيسة مصلحية برزت فى عصر الإصلاح فى القرن السادس عشر، والذى أسسها المصلح چون كالڤن وقد بنى لاهوتها (فقهها) على العلمانية أى رفض الكهنوت، وأن جميع البشر متساوون أمام الله، ونظامها ديمقراطى بحت، فرئيس الكنيسة يُنتخب لمدة عام، ولا يعاد انتخابه إلا بعد عشر سنوات، والذى يحكم الكنيسة البرلمان الكنسى ويدعى «سنودس» وهو مصطلح معناه: الاثنان معًا، أى رجل الدين والعلمانى كتفًا بكتف متساويان يسيران ويعملان ويخدمان معًا، ومعظم الوظائف والقرارات إن لم تكن كلها بالاقتراع المباشر من القاعدة.

***

كان چون هوج القس المشيخى الأسكتلندى يعمل فى الإرسالية الأمريكية التى تأسست فى مصر، لذلك فالكنيسة الإنجيلية المصرية لها جذورها الفكرية الديمقراطية، ولها علاقات متينة مع الكنيسة المشيخية فى أمريكا وأسكتلندا، وقد تعودت كنيسة أسكتلندا أن تدعو من البلاد التى بها كنائس مشيخية رئيس البرلمان المنتخب ليحضر اللقاء السنوى (انعقاد البرلمان) لكنيسة أسكتلندا مع آخرين من أقطار أخرى، ومن حسن الحظ أن سنودس النيل الإنجيلى (البرلمان) وهو الذى يدير شئون الكنيسة على مستوى الجمهورية انتخبنى منذ حوالى 12 عاما رئيسًا له. ومن التقاليد المتعارف عليها أن الملكة وهى رئيسة كنيسة إنجلترا، أى الكنيسة الإنجليكانية وهى الكنيسة الرسمية فى البلاد وأيضًا رئيسة الكنيسة المشيخية التى فى أسكتلندا، ومن التقاليد الكنسية دعوة الملكة لحضور الجلسة الافتتاحية لبرلمان الكنيسة المشيخية الأسكتلندية، وعادة كانت كل عام ترسل مندوبًا عنها من العائلة المالكة، إلا أنها فى ذلك العام أرادت أن تحتفل بوصولها للعام الثمانين، فقد أكملت ثمانين عامًا من عمرها فحضرت بنفسها الجلسة الافتتاحية لسنودس (برلمان) الكنيسة المشيخية هناك، وتحدثت للكنيسة التى ترأسها. وفى نهاية كلمتها قامت بدعوة كل الأعضاء الموجودين لحفل استقبال فى قصر باكنجهام، وهكذا وجدت نفسى فى قصر باكنجهام وفى استقبالنا الملكة إليزابيث والأمير فيليب، وكل شخص يقدم ذاته لهما، وعندما علما أنى من مصر اهتما بالحديث معى خاصة كان الربيع العربى فى بداياته والمستقبل مجهول وكانا يتحدثان عن احتمال حكم الإخوان لمصر.

بالطبع كان الطابور طويلًا فلم نتحدث أكثر من 6 دقائق فيه تمنت السلامة لمصر، خاصة عندما علمت أن بمصر كنيسة مشيخية ديمقراطية فعلقت قائلة إن هذا يعطى أملًا لمستقبل البلاد. هكذا يا ولداه وجد ابن ملوى بمحافظة المنيا نفسه فى قصر باكنجهام مع الملكة إليزابيث والأمير فيليب، والحقيقة أن قصر باكنجهام قصر يفوق الخيال، ولا يستطيع خيالنا أن يتصوره سواء فى اللوحات المرسومة على الحوائط أو الشبابيك الزجاجية أو الأسقف، والتماثيل... إلخ.

***

أخذونا فى جولة بالقصر وهو مثل قصور ألف ليلة وليلة، بل يفوقه فى الخيال والمتعة والفن. أما الأدب الإنجليزى فحدث ولا حرج، فالتقاليد الملكية لا نراها إلا فى التمثيليات. 

هذا الجو الأسطورى ذَكّرنى بالملك هنرى الثامن وخلافه مع البابا فى روما عندما كانت إنجلترا تابعة لبابا الكاثوليك وكان يُحِرم الطلاق، لكن هنرى الثامن أراد أن يطلق زوجته كاترين لأنها لم تلد له ذكرًا وريثًا للعرش لكن البابا رفض مبدأ الطلاق، وحكم على الملك هنرى الثامن بالحرمان من امتيازات الكنيسة وإلقائه فى الجحيم بعد موته. وهنا استقل هنرى الثامن بمملكته عن البابا والفاتيكان، وأسس الكنيسة الأنجليكانية (الإنجليزية) وتزوج آن لكى يأتى بوريث ذكر للعرش، لكنه أيضًا لم ينجب ولدًا، ووصل عدد زيجاته ستة زيجات لكن هكذا كانت الأقدار، فلم يكن العلم قد توصل أن جينات الرجل هى التى تتحكم فى نوعية المولود. لكنه أنجب فتاة أسماها ڤيكتوريا وهى التى ورثت عرش هنرى الثامن وحكمت أكثر من سبعين عامًا، وكانت قوية جدًا، وفى عهدها تكونت الإمبراطورية البريطانية التى أطلق عليها «الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس»، والمعنى هنا أنه عندما تغيب الشمس عن أملاكها فى الغرب فإنها تشرق فى الجانب الآخر من الكرة الأرضية والذى فيه أيضًا أملاك إنجلترا؟.

***

علاقتى بلندن وإنجلترا علاقة وثيقة فقد قمت بزيارتها أكثر من خمس عشرة مرة، ذلك لأنه كان يُعقد بها مؤتمر سنوى دراسى للفكر اللاهوتى والفلسفى وعلاقتهما بالواقع المصرى والعربى... إلخ، وكنت أقوم بتقديم محاضرات، كذلك قمت بزيارات متقطعة للندن زرت فيها الكثير من الأماكن الهامة. ومن خلال علاقاتى وأحاديثى المستمرة مع الشعب الإنجليزى اكتشفت أنهم مختلفون عن باقى أوروبا، فهم حتى اليوم يشعرون أنهم إمبراطورية، لذلك لم يستمروا كأعضاء فى الاتحاد الأوروبى، أو السوق الأوروبية المشتركة، أما نبض الشارع الإنجليزى تجاه العائلة المالكة فينقسم إلى قسمين: الأول وأعتقد أنهم الأكثرية والتى تمتد مع الأيام يرفضون العائلة المالكة، ذلك لأنها تُحصّل من ميزانية إنجلترا الكثير، ثم أنها عائلة تملك ولا تحكم، وفضائحها كثيرة مؤخرًا، فبعد أن كانت الاتهامات الموجهة للعائلة هى تمسكها المغالى فيه بالشكل دون المضمون، أصبحت الآن الأكثر فضائحيًا فى التقاليد الإنجليزية التاريخية، بدءًا من الأمير تشارلز والأميرة ديانا وعلاقاتها المتعددة بعد طلاقها مقابل علاقات تشارلز بكاميلا والذى انتهى به الأمر بالزواج من المرأة التى كان يحبها قبل وأثناء وبعد زواجه من ديانا، ثم الإشاعات التى سادت عندما كانت الأميرة ديانا على علاقة مع عماد محمد الفايد وأنه فى حالة إنجابها سيكون الابن مسلمًا، وبعد الحادث القاتل صارت إشاعات بأن الحادث مدبر من القصر حتى لا يكون فى سلالة الملكة طفل غير بريطانى (منتهى العنصرية).

كل هذه المشاكل جعلت العديد من الإنجليز يطالب بإلغاء مخصصات الملكة الباهظة خاصة أن الاقتصاد البريطانى ليس على ما يرام. لكن الجانب الثانى المتمسك بالملكية فهو يرى فى العائلة نموذجًا للتقاليد البريطانية العريقة وهى تعطى خيالًا أسطوريًا وعراقة تاريخية، وهو يرى فى هذا النظام نموذجًا رائعًا من الملكية التى تملك ولا تحكم يعبر عن استمرارية التاريخ الإنجليزى العريق.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات