مكانة المرأة فى الشرائع القديمة وفى الإسلام - رجائي عطية - بوابة الشروق
الأربعاء 6 يوليه 2022 6:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

مكانة المرأة فى الشرائع القديمة وفى الإسلام

نشر فى : الأربعاء 16 مارس 2022 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 16 مارس 2022 - 10:15 م

ربما كانت الحضارة المصرية القديمة، هى الحضارة الوحيدة من بين الحضارات القديمة ــ التى خولت المرأة «مركزا شرعيا» تعترف به الدولة والأمة، وتنال به المرأة حقوقا فى الأسرة والمجتمع، تشبه حقوق الرجل فيها.
أما الحضارات القديمة الأخرى، فكل ما نالته المرأة فيها من مكانة مرضية، إنما كانت تناله بباعث من بواعث العاطفة على حاليها.. الحميد والذميم.
وربما نالت المرأة حظا من الاهتمام بها فى عصور الترف والبذخ التى تنتهى إليها الحضارات الكبرى، ولكنها لم تنل ذلك لحقوق أو لتقدم الحضارة وارتقاء الشعور بين أصحابها، ولكن لأنهم نظروا إليها كمطلب من مطالب المتعة والوجاهة الاجتماعية أيضا. ومن اللافت أنها نالت هذا الحظ من الاهتمام فى أوج الحضارة الرومانية فى الوقت الذى بقيت فيه ــ قانونا وعرفا ــ فى منزلة تقارب منزلة الرقيق!
وعلى ذلك لم يكن هذا الاهتمام الذى نالته المرأة للأمومة أو للمتعة ــ لم يكن يمثل مكانة «شرعية أو عرفية» تنسب إلى آداب المجتمع وقوانينه.
فشريعة «مانو» فى الهند لم تكن تعرف للمرأة حقا مستقلا عن حق أبيها أو زوجها أو ولدها فى حالة وفاة الأب والزوج.
وكانت المرأة عند اليونان الأقدمين مسلوبة الحرية والمكانة فى كل ما يرجع إلى الحقوق الشرعية، وكانت توضع فى المنازل الكبيرة فى موضع منفصل عن الطريق وقليل النوافذ محروس الأبواب، حتى لا تتطلع إلى الخارج أو تتواصل معه.
وربما ظن البعض الذين يسمعون عن الحرية «الإسبرطية» أنها ثمرة من ثمرات الارتقاء فى تقدير حق الإنسان من الذكور والإناث، بيد أنها لم تكن كذلك، يشهد على هذا قسوة نظام الرق العريق بين الإسبرطيين، وأن ما شاع بينهم من الاسترقاق ومن التساهل مع النساء، إنما كان لعلة واحدة هى اشتغال الرجال الدائم بالقتال، وتركهم ما عداه اضطرارا لتصرف المرأة فى غياب الأزواج والآباء.
أما فى مذهب الرومان الأقدمين، فقد كان كمذهب الهنود الأقدمين فى الحكم على المرأة بالقصور، وشعارهم أن قيد المرأة لا ينزع، ونيرها لا يُخلع، ولم تحرر المرأة الرومانية من هذه القيود إلا يوم أن تحرر منها الأرقاء.
وانفردت الحضارة المصرية القديمة بإكرام المرأة، وتخويلها حقوقا «شرعية» قريبة من حقوق الرجل.
بيد أن هذه الحضارة المصرية كانت قد زالت ــ فيما يقول الأستاذ العقاد فى مؤلفه عن المرأة فى القرآن ــ وزالت شرائعها قبل عصر الإسلام، وسرت فى الشرق الأوسط آنذاك غاشية من كراهة الحياة الدنيا بعد سقوط الدولة الرومانية بما انغمست فيه من ترف وفساد وولع بالملذات والشهوات، وشاعت فى هذه الفترة عقيدة الزهد والإيمان بنجاسة الجسد ونجاسة المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة، وصار الابتعاد عنها حسنة مأثورة.

* * *
ولم تكن الشريعة اليهودية أحسن حالا من ذلك، ويتضح بطلان زعم الزاعمين من المؤرخين الغربيين أن الإسلام نقل عنها، حين تضاهى هذه الشريعة بما كانت عليه وما كان قبلها، وبما قضت به شريعة الإسلام.
فالمأثور عن الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم المنسوبة إلى موسى عليه السلام، أن الأنثى تخرج تماما من ميراث أبيها إذا كان له ذرية من الذكور، وما عدا ذلك يكون من قبيل الهبة التى يمنحها الأب فى حياته إذا أراد، ومن قبيل هذه الهبة ما روى بالإصحاح الحادى والعشرين من سفر التكوين عما أعطاه إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما السلام حين طلبت سارة طرده حتى لا يرث مع ابنها إسحق. ولهذه الرواية تتمة فى الإصحاح الخامس والعشرين ثم الإصحاح الثانى والأربعين من سفر التكوين.
أما الإناث، فإن الحكم المنصوص عليه هو حرمان البنات من الإرث ما لم ينقطع نسل الذكور، وأن البنت إذا آل إليها ميراث حُرم عليها الزواج من سبط آخر، ولا يحق لها أن تنقل ميراثها إلى غير سبطها وأدلة ذلك فى الإصحاح السابع والعشرين من سفر العدد، ثم فى الإصحاح السادس والثلاثين من ذات السفر.
ولم يكن حال المرأة فى الجزيرة العربية أحسن حالا، فلا نصيب لها من الإنصاف والكرامة غير ما كان سائدا فى بلاد العالم من هضم لكافة حقوق المرأة. وقصارى ما تطمع فيه المرأة أن تُكرم فى منزل زوجها رعاية لأبيها الرئيس المهاب، ولا مجال قط لإكرامها من حيث هى من جنس النساء.
ومتى هانت المرأة هذا الهوان، صار مقبولا أن يدفن الرجل ابنته الوليدة مخافة العار مستقبلا، أو الخوف من العجز عن الإنفاق، وكانت إذا عاشت مجرد حصة من الميراث الذى يؤول إلى صاحبه وتنتقل من الآباء إلى الأبناء.
وظل الحال على ذلك إلى أن جاء الإسلام!
جاء القرآن لهذه البلاد، وللعالم كله، بحقوق مشروعة للمرأة لا سابقة لها فى دستور شريعة أو دستور دين. وأكرم من ذلك أنه رفعها من المهانة إلى مكانة الإنسان المعدود، بريئة من رجس الشيطان ومن حطة الحيوان.
وأعظم من جميع الحقوق الشرعية التى كسبتها المرأة من القرآن الكريم، أنه رفع عنها لعنة الخطيئة الأبدية ووصمة الجسد المرذول.
جاء فى القرآن الكريم ببراءتها من تهمة إغواء آدم.
«فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ» (البقرة36).
«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا» (الأعراف 20).
«فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَهُ فَغَوَى» (طه 120، 121).
«قَالاَ رَبَنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (الأعراف 23).
ورفع القرآن وزر الخطيئة من كل ذرية آدم وحواء، فالخطيئة لا تورث، ولا يسأل المرء إلا على ما يفعل..
«تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (البقرة 134).
«وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابا يَلْقَاهُ مَنشُورًا» (الإسراء13).
«وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (فاطر18).
ولا يكتفى القرآن من المسلم باجتناب وأد البنات خشية العار أو الإملاق، يل يأبى عليه أن يستقبل الأنثى بالتجهم والعبوس والانقباض.
«وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ» (النحل 58، 59).
وتتساوى رعاية الإنسان لأبيه وأمه، كما تتساوى رعايته لأبنائه وبناته، ومع ذلك تُخَص الأم بالتنويه، فالأم أولى بالإحسان لما تعانيه من آلام الحمل والولادة ومتاعب الرضاعة والكفالة والرعاية، مما لا يعانيه الآباء.
«وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانا حَمَلَتْهُ أُمُهُ كُرْها وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا» (الأحقاف15).

* * *
فهذه شريعة يصدر فيها الإنسان عن الواجب، لا عن المنفعة..
على أن الآية الكبرى فى توصية القرآن بالأنثى، أنها وصاية وجبت غير مرهونة بعمل مفروض عليها، ومفروضة لصالحها على المجتمع كله برجاله ونسائه، وتلك وصاية لا نظير لها فيما سبق من الشرائع قبل مجىء الإسلام.
وسوف نرى أن القرآن أعطى المرأة حقوقا فى الميراث، غير مرهونة بانقطاع الذرية من الذكور كما رأينا فى الشريعة اليهودية.
ولم تُعط الحقوق للمرأة معلقة على الضرورة، بل كانت الوصايا القرآنية بالمرأة ملزمة واجبة على المجتمع برمته، دون تعليقها على ظروف أو ضرورات.
ومصدر ذلك هو الهداية الإلهية قبل أن يهتدى إليها الذين فُرضت عليهم، فتقبلوها وهم يعلمون أو لا يعلمون.

‏Email :rattia2@hotmail.com
‏www.ragai2009.com

التعليقات