منار.. قطار عطاء أوقفه الموت - سيد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 7 مايو 2021 3:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


منار.. قطار عطاء أوقفه الموت

نشر فى : الثلاثاء 16 مارس 2021 - 8:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 مارس 2021 - 8:00 م

يبدو أن الفقد هو العنوان الوحيد لأيامنا التى نعيشها بقلق لا حدود له بسبب «كورونا» التى صارت ضيفا ثقيلا يتباطأ فى المغادرة.

كان التعامل مع التجربة فى بدايتها مثيرا لاننا توهمنا أنها ظرف طارئ كانقطاع تيار الكهرباء عن المصعد، تصورنا أننا بين طابقين أو لحظتين فى التاريخ وستأتى المعجزة لتدفع بركاب المصعد إلى طابق للنجاة، يمكنهم من استئناف الرحلة.
كنا نظن أن كورونا ابنة الوقت العابر، زائر ثقيل لا يملك شروط الإقامة فى أيامنا التى بلغت فيها التكنولوجيا والاكتشافات العلمية حدودا لا طاقة لنا على إدراكها.

وعلى الرغم من احترافى للأمل الا ان هناك فكرة تلح على عقلى وهى أننا نخوض معركة خاسرة ونسير فى صحراءالأمل مع جيش من المفقودين نرفع راية خاسرة ولم تعد لنا وظيفة سوى كتابة المراثى وأناشيد الفقد كتلك التى كان يكتبها شعراء الإغريق.
تعاملنا مع «الكورونا» بخفة وهى لا تزال تخرج ألسنتها للجميع وتغير من شكل العالم ومن تفاصيل حياتنا اليومية التى صارت أعقد وفيها ملامح من الكوميديا السوداء.

تحولنا إلى ممثلين يؤدون مشاهد كرنفالية فى مسرحية «نهاية العالم» وصرنا نعتاد النظر إلى ملامح وجوهنا كأننا خلقنا بالكمامات وأقنعة الوجوه وتآلفنا مع صيغة «الاخفاء» وغواية الظهور بثلث الوجه.
التجربة قاسية والخسارات تتوالى وشخصيا فقدت فى أقل من 3 أشهر خمسة من أقرب الأصدقاء، لم يكن بينهم مريض واحد بمرض مزمن، فقد انتقلوا إلى رحمة الله وكانوا فى صحة جيدة لولا مباغتة «الكورونا».
والى أن تحدث المعجزة ويتمكن العلماء من التعامل مع الفيروس والحد من قدراته لا نملك إلا تذكر من غادروا والترحم عليهم

وآخر هؤلاء الصديقة الغالية الدكتورة منار عمر أستاذ الأدب الالمانى بجامعة حلوان وتعود معرفتى بها إلى عام المشاركة العربية فى معرض فرانكفورت للكتاب 2004 حين عرضت خبرتها على القائمين على إعداد الملف فقد أعدت دراسة احصائية عن الأدب العربى المترجم إلى الالمانية وأرادت أن تكون نتائجها هادية لواضعى البرنامج المصاحب لتلك الفاعلية وحدث أن بعض المسئولين تعامل معها بعدم اكتراث خلال وجودها فى قاعة السكرتارية فى انتظار اللقاء مع أحد المسئولين فتدخلت لدعمها احتراما لمبادرتها التى كانت تعتمد على العلم ومؤشرات احصائية دالة.

وطوال السنوات التى تلت هذا المشهد الذى رسخ فى ذاكرتى وصاغ عناوين المودة بيننا لم أجد فى منار الا هذا السعى لاحترام العلم وامتلاك همة المبادرة والتعامل مع الجميع بالاحترام اللائق.
وفى مواقف لا تعد ولا تحصى كان لها نصيب من اسمها كما يشير القول المأثور، فهى «منارة» هادية لتلاميذها ونقطة جذب لمن لمسوا ذكاءها الذى لا يضاهى ومثالا يحتذى فى الجدية والعطاء وهى كذلك نقطة نور شاع ضوؤها فى الفضاءات التى عملت فيها.
مثلت منار بامتياز ثقافة تحترم العلم رسخت بداخلها لقيم وأفكار تقوم على احترام الاستقلال، وأتاحت لها التفكير استنادا إلى عقل نقدى واعٍ.
كانت الراحلة مثل الخط المستقيم، لا تعرف اللوع ولا العوج ولا تبنى مواقفها على حسبة أو توازنات، وتؤمن أن جديتها هى بطاقة الاعتراف الوحيدة التى ينبغى أن تؤهلها لأى موقع تستحقه، وكانت توزع جدولها اليومى على مؤسسات ومواقع كثيرة إلى جانب عملها الرئيسى كأستاذة جامعية حتى تظن أن يومها يمتد لأربعين ساعة أو أكثر.

وعلى الرغم من ازدحام جدول أعمالها الا أنها لم تتهم بالتقصير فى أى موقع، ولم تتكاسل عن أداء مهمة تصدت لها وكانت مثل قطار يصل دائما فى موعده.
عاشت منار عمرا قصيرا لكنه كان غنيا بالنجاحات التى يسهل التدليل عليها لو اعتبرنا الوظائف التى شغلتها معيارا للكفاءة لكن ما أعرفه جيدا أن انحيازاتها وخياراتها الشخصية كانت كنزها الأهم فلم تكن خطواتها خارج العمل وداخله خالية من نبل المقصد وسمو الأهداف، وكثيرا ما تبنت قضايا لمجرد أنها آمنت بها واعتقدت أنها قضايا عادلة تستحق أن تناصر أصحابها أو تمد لهم يد العون مهما كلفها ذلك من أثمان لذلك شعر الجميع بفداحة فقدها فقد خسر العالم قلبا احترف الحماس وعقلا بلمعة الماس ويد امتدت دائما بما هو أكثر من العطاء.