أزمة ماكرون مع العالم الغربى - جورج فهمي - بوابة الشروق
الإثنين 21 يونيو 2021 11:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

أزمة ماكرون مع العالم الغربى

نشر فى : الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 - 8:20 م

أثارت كلمة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون حول ما أسماه مواجهة «الانفصالية الإسلامية» فى فرنسا، والتى تضمنت حديثا حول «أزمة يعيشها الإسلام»، وما اقترحه هو من ضرورة بناء «إسلام يواكب قيم التنوير» فى فرنسا، ردودَ فعل غاضبة فى العديد من دول العالم الإسلامى. توالت الأحداث بشكل متصاعد عقب تلك الكلمة، فجاء مقتل المدرس الفرنسى صمويل باتى على يد متشدد من أصل شيشانى عقب عرض باتى، فى درسٍ عن حرية التعبير، الرسومَ الكاريكاتورية المسيئة للدين الإسلامى، التى كانت مجلة شارلى إيبدو الفرنسية قد نشرتها قبل سنوات. تلا تلك الحادثة البشعة عمل إرهابى آخر فى مدينة نيس الساحلية، هاجم خلاله لاجئ تونسى كنيسة وقتل 3 أشخاص. ردت الحكومة الفرنسية على تلك العمليات بالتأكيد على أنها لن ترضخ للإرهاب، وستدافع عن قيم الجمهورية الفرنسية، وفى مقدمتها حرية التعبير، وأنها ستستمر فى الدفاع عن الحق فى نشر تلك الرسوم، بما فى ذلك عرضها على مبانٍ حكومية. وقد زادت تلك الخطوة من حالة الاحتقان فى العديد من الدول الإسلامية، وانتشرت بالفعل دعوات مُقاطَعة البضائع الفرنسية فى العديد منها، وتصدر وسم «إلا رسول الله» وسائل التواصل الاجتماعى، وخرجت التظاهرات الحاشدة فى باكستان والسنغال إضافة إلى العديد من الدول العربية، فيما بدا وكأنه تكرار لأزمات سابقة بين العالم الإسلامى والغرب، كما جرى خلال أزمة الرسوم الدنماركية عام 2005 على سبيل المثال.
***
لكن قبل أن تنجر الأزمة إلى مسار صراع الحضارات بين العالمين الغربى والإسلامى كما جرت العادة، شهد سير الأحداث هذه المرة تحولا «دراميا»، حيث لم تقتصر ردود الفعل الغاضبة تجاه سياسات ماكرون على العالمين العربى والإسلامى، بل انتقدت وسائل إعلام غربية النهج الفرنسى فى التعامل مع مواطنى فرنسا من المسلمين. فجاءت التغطية الإعلامية، وكذلك العديد من مقالات الرأى فى صحف غربية كبرى، لتشير إلى أن النسخة الفرنسية من العلمانية التى تفرضها الدولة على مواطنيها من المسلمين ساهمت بشكل غير مباشر فى دفع البعض فى اتجاه التطرف العنيف، وأن على فرنسا إعادة النظر فى سياساتها تجاه الأقليات الدينية، والمسلمين تحديدا.
جاء رد فعل إيمانويل ماكرون غاضبا على تلك الانتقادات. ففى مكالمة مع أحد صحفيى جريدة نيويورك تايمز قال ماكرون إنه كان يتوقع درجة التضامن نفسها التى أبدتها الدول الغربية عام 2015، حينما تعرضت فرنسا لموجة من الأعمال الإرهابية، أودت بحياة 130 شخصا فى عدد من الهجمات المتزامنة، مُبديا استياءه من أن تتحول الصحافة الغربية من دعم فرنسا فى معركتها ضد الإرهاب إلى الادعاء هذه المرة أن جوهر المشكلة هى سياسات فرنسا التى وصفها البعض بالعنصرية، وهو الأمر الذى اعتبره ماكرون بمثابة محاولة لتبرير الأعمال الإرهابية.
لم يقتصر الغضب الفرنسى على مجرد إبداء الاعتراض، بل تطور الأمر إلى ضغط قصر الإليزيه من أجل حذف بعض المقالات التى تنتقد ماكرون وسياساته. فقد قامت جريدة فايننشال تايمز على سبيل المثال بحذف مقال تطرق لدور سياسات الدولة الفرنسية فى تغذية الإرهاب، بعد مكالمة غاضبة من مكتب ماكرون، طبقا لتقرير لجريدة النيويورك تايمز. وفى اليوم التالى، نشرت الصحيفة رسالة من ماكرون ترد على المقال الذى لم يعد موجودا على الموقع، فيما بدا كنكتة.
***
إن جوهر هذا الخلاف الأخير بين بعض وسائل الإعلام الغربية وفرنسا مرده التباين فى قواعد إدارة الشأن الدينى فى فرنسا. هذه الأخيرة تتبنى إطارا علمانيا جامدا يرفض تصنيف المواطنين وفق هوياتهم الدينية، ويصر على كونهم مواطنين وحسب، فى مقابل نموذج التعددية الثقافية التى تتبناها دول غربية أخرى كالولايات المتحدة وبريطانيا، والقائم على التعايش بين الأعراق والديانات المختلفة، من دون الحاجة إلى تقييد ممارسات أو أفكار تلك الجماعات الدينية والعرقية فى المجال العام. وكانت السياسات العلمانية الفرنسية شهدت تحولا خلال العقود الأخيرة جعلها أكثر عدائية تجاه أشكال التعبير والنشاط الدينى فى المجال العام. فسياسات ماكرون الأخيرة لمواجهة ما أسماه الانفصالية الإسلامية تضع فرنسا فى مواجهة مع قيم حرية التعبير والعقيدة لمواطنيها من المسلمين. لا تستهدف تلك السياسات الأفكار والتنظيمات العنيفة فقط، بل تتضمن أيضا رقابة صارمة على الجمعيات الدينية والثقافية، وأشكال التعليم، بل ويمكن أن تصل أيضا إلى حد التدخل فى قوائم المأكولات الحلال وطريقة عرضها. فوزير الداخلية الفرنسى أبدى صدمته من أن تُخصص محلات السوبر ماركت الفرنسية أقساما معينة لبيع المأكولات الحلال للمسلمين أو الكوشر لليهود، ورأى أن ذلك يزيد من عزلة تلك المجموعات الدينية، وقد يؤدى ببعض أفرادها إلى التشدد.

بدا ماكرون مستعدا لمعركته مع العالم الإسلامى، وربما أرادها فى إطار استعداده للانتخابات الرئاسية عام 2022 فى مواجهة مارين لوبان، ممثلة تيار اليمين المتشدد فى فرنسا. فالرئيس الفرنسى كان يريد أن يظهر بمظهر المدافع عن القيم الغربية فى مواجهة التيارات المحافظة الإسلامية التى تريد فرض رؤيتها على فرنسا، إلا أن الهجوم الغربى عليه وعلى سياساته أربك حساباته، وأظهره بمظهر المعتدى على تلك القيم الغربية بدلا من المدافع عنها، ما يفسر رد فعله الغاضب تجاه تلك الانتقادات.
***
تعطينا هذه الأزمة بين ماكرون وبعض وسائل الإعلام الغربية درسا مهما فى كيفية صياغة ردود فعلنا تجاه الخطابات المُعادية للمسلمين فى أوروبا. فالدفاع عن حقوق مسلمى أوروبا من زاوية دينية فقط، باعتبار أن الهجوم عليهم هو هجوم على الإسلام، كما جرت العادة خلال الأزمات المشابهة فى السابق، يصب فى مصلحة القوى اليمينية واليمينية المتشددة على الساحة الأوروبية، والتى توفر لها تلك المعركة فرصة ذهبية لزيادة شعبيتها السياسية، بوصفها المدافعة عن قيم «التنوير» الأوروبية فى مواجهة أولئك الذين يودون أن يفرضوا قيمهم الدينية على أوروبا. أما إعادة صياغة ما يتعرض له مسلمو أوروبا من تضييق، باعتباره اعتداء على قيم الديمقراطية الغربية نفسها، وفى مقدمتها حريات الاعتقاد والتعبير والتنظيم، ينزع عن تلك الأصوات اليمينية هالة الدفاع عن الحضارة الأوروبية، لا بل يضعها فى موقع المعتدى على تلك القيم الغربية نفسها، باعتبار أن سياساتها تنتهك حقوق هذه الأقليات الدينية، وتُعَد هى نفسها شكلا من أشكال العنصرية.

جورج فهمي باحث بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات