ساعات السفر على إيقاع الأسيكو - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 2:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ساعات السفر على إيقاع الأسيكو

نشر فى : السبت 15 أكتوبر 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : السبت 15 أكتوبر 2016 - 9:10 م
وصل لاهثا، قبل لحظات من انطلاق القطار. يلبس عدة سترات صوفية وأخرى واقية من المطر، فى يوم باريسى مشمس للغاية، ويتصبب عرقا. يلتقط أنفاسه بالكاد، لكن لا يسعه إلا أن يطيع أوامر السيدة التى تصحبه، وهى المقابل الإفريقى لشخصية عبلة كامل «خالتى فرنسا»، بالطبع بعد إضافة ألوان القارة السمراء. توبخه بلهجة من هو أكثر تجربة فى الحياة وتطلب منه أن يخلع السترات واحدة تلو الأخرى، فيستجيب فورا. تمطره بعدة نصائح، ثم تتركه وحيدا فى مقعده، إلى جوار النافذة. كمعظم الشباب، اختار هذا المكان ليكون بالقرب من وصلة الإنترنت، فيتمكن من تشغيل الكمبيوتر الخاص به، طوال الرحلة التى تستغرق بضع ساعات حتى مدينة كليرمون فيران بوسط فرنسا. نظرات الارتباك تلاشت بمجرد أن ولج ميدان التكنولوجيا، ووضع السماعات على أذنيه لينفصل عما حوله ويركز كل انتباهه فى أغنيات ابن بلده المقيم فى فرنسا هو الآخر منذ سنوات: بلكا توبى، نجمه الكاميرونى المفضل.

***

القطار يندفع فى طريقه، والشاب العشرينى أيضا. تستغرقه كلمات أغنية توبى الأشهر ( A ye mock) التى كتبت باللهجة المحلية للمجموعة العرقية التى ينتميان إليها. تتناول الحديث المتبادل بين مهاجر كاميرونى ووالدته: «أمى، أنا الذى أهاتفك. كيف استقيظ الكاميرون اليوم؟ ما هى أحواله؟ تركته بحثا عن أمل، لأكسب قوتى وأحلم بحياة أفضل. ما الذى يقوله أهل البلاد عنى؟ أننى فى السجن؟ أم قتلت فى إسبانيا؟». يسترسل بلكا توبى، المطرب والملحن والشاعر، على هذا النحو، متغنيا بأحوال شعبه الذى يصدر سنويا مائتى ألف مهاجر لأوروبا، معظمهم من خلال محاولات غير شرعية. يعبر عن شجون الحياة اليومية، فى الداخل كما فى الخارج. يخاطب النساء الذى عاش بينهن معظم حياته، منذ أن ولد فى سنة 1959، ولدا وحيدا بين أخوات بنات، فى حى فقير وهامشى. لذا هو يعرف كيف يطمئن أمه التى تعدت الخامسة والسبعين، من خلال أغنيته، ويعرف كيف يعبر عن خصوصيات النساء. يفهم غربة المهاجر ووحدة الفقير الذى يشعر بأنه غير مرغوب فيه، بعد أن ترك لحاله على القارب ليصارع الأمواج، كما يصفه فى أغنية أخرى بعنوان «وحدة».

***

يستمع إليها الشاب المتوجه لجامعة كليرمون فيران فى منحة دراسية، غالبا ستطول، وقد بدأت الوحدة بالفعل تتسرب إلى قلبه. لم تساوره هذه الأحاسيس فى خضم التعددية الإثنية لبلاده، وسط أكثر من 250 مجموعة عرقية مختلفة، لكل منها لغتها وإيقاعها الموسيقى، إذ يقال دوما إن الكاميرون ما هى إلا إفريقيا مصغرة.

لم يختبر هذه الأحاسيس قط، لكن نغمات بلكا توبى تهون المشكلات وتمزج إيقاع الأسيكو التقليدى وموسيقى الرومبا والسامبا أحيانا، حتى وهو يتكلم عن الانقلابات أو حكايات بائعات الهوى فى بلاده. يتذكر الطالب أن إيقاع الأسيكو الراقص ظهر أول ما ظهر حول شريط القطار فى منتصف القرن العشرين، عندما سعى بعض العمال والمهمشين للترفيه عن أنفسهم، فى مطاعم وحانات شعبية بالقرب من الورش، مستخدمين الجيتار والزجاجات الفارغة وصفارة، ثم انتشر بشكل كبير بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960.
الموسيقى تسمح له بالغوص فى تاريخ بلده كما هى العادة فى الكاميرون، يتراقص مع إيقاع الأسيكو فلا يفكر فيما ينتظره وما لا يعرفه، ويفضل عدم التركيز على أوضاع المهاجرين والأجانب فى توقيت مأزوم، خسر الناس فيه من أريحيتهم، ولم يعد الموسيقيون من المهاجرين يملئون مترو باريس بهجة كما كانوا من قبل، سواء لدواعٍ أمنية أو بحكم الظروف. وهو فأل سيئ له ولغيره.
التعليقات