استراتيجية أمريكا تجاه القوى العظمى الجديدة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 4:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

استراتيجية أمريكا تجاه القوى العظمى الجديدة

نشر فى : الأحد 15 أغسطس 2021 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 15 أغسطس 2021 - 7:25 م
نشر موقع بروجيكت سينديكيت مقالا للكابت جوزيف ناى تناول فيه الاستراتيجية التى يجب على الولايات المتحدة اتباعها فى تنافسها مع الصين.. نعرض منه ما يلى.
خلال العقود الأربعة للحرب الباردة، كان لدى الولايات المتحدة استراتيجية كبرى تركز على احتواء قوة الاتحاد السوفيتى. ومع ذلك، بحلول التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، كانت أمريكا قد حُرمت من ذلك النجم القطبى. بعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، حاولت إدارة الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش ملء الفراغ باستراتيجية أسمتها «الحرب العالمية على الإرهاب». لكن هذا النهج قدم إرشادات غامضة وأدى إلى حروب طويلة بقيادة الولايات المتحدة فى أماكن هامشية مثل أفغانستان والعراق. منذ عام 2017، عادت الولايات المتحدة إلى «منافسة القوى العظمى» هذه المرة مع الصين.

كاستراتيجية أمريكية كبرى، تتمتع منافسة القوى العظمى بميزة التركيز على التهديدات الرئيسية لأمن أمريكا واقتصادها وقيمها. فى حين أن الإرهاب يمثل مشكلة مستمرة يجب على الولايات المتحدة التعامل معه بجدية، إلا أنه يشكل تهديدًا أقل من القوى العظمى المتنافسة. الإرهاب مثل لعبة الجوجيتسو، حيث يحول خصم ضعيف قوة لاعب أكبر ضد نفسه. بينما قتلت هجمات الحادى عشر من سبتمبر أكثر من 2600 أمريكى، فإن «الحروب التى لا نهاية لها» التى شنتها الولايات المتحدة ردًا على هذه الهجمات كلفت المزيد من الأرواح، فضلا عن تريليونات الدولارات. بينما حاولت إدارة الرئيس باراك أوباما التحول إلى آسيا ــ الجزء الأسرع نموًا فى الاقتصاد العالمى ــ أبقى إرث الحرب العالمية على الإرهاب الولايات المتحدة غارقة فى الشرق الأوسط.

يمكن لاستراتيجية المنافسة بين القوى العظمى أن تساعد أمريكا على إعادة التركيز؛ لكن لديها مشكلتان. أولا، إنها تجمع معًا أنواعًا مختلفة جدًا من الحالات. إن روسيا قوة متراجعة والصين قوة صاعدة. يجب على الولايات المتحدة أن تدرك الطبيعة الفريدة للتهديد الذى تشكله روسيا. كما اكتشف العالم للأسف فى عام 1914، عشية الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تكون القوة المتراجعة (النمسا ــ المجر) فى بعض الأحيان الأكثر قبولًا للمخاطرة فى النزاع. تشهد روسيا اليوم تدهورًا ديموغرافيًا واقتصاديًا، لكنها تحتفظ بموارد هائلة يمكنها توظيفها كمفسد فى كل شيء بدءًا من الحد من الأسلحة النووية والصراع السيبرانى إلى الشرق الأوسط. لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية روسية لا تلقى بتلك الدولة فى أحضان الصين.

المشكلة الثانية هى أن مفهوم التنافس بين القوى العظمى لا ينبه إلى التهديدات الجديدة التى نواجهها. لقد تغير الأمن القومى والأجندة السياسية العالمية منذ عام 1914 وعام 1945، لكن استراتيجية الولايات المتحدة حاليًا لا تُقدر التهديدات الجديدة من العولمة البيئية. سيكلف تغير المناخ العالمى تريليونات الدولارات ويمكن أن يتسبب فى أضرار بحجم الحرب؛ لقد تسببت جائحة كوفيدــ19 بالفعل فى مقتل عدد من الأمريكيين أكثر من جميع حروب البلاد، مجتمعة، منذ عام 1945. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة تؤدى إلى جعل ميزانية البنتاغون تزيد 100 مرة على ميزانية المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، و25 ضعفًا لميزانية المعاهد الوطنية للصحة. دعا وزير الخزانة الأمريكى السابق لورانس سمرز وغيره من الاقتصاديين مؤخرًا إلى إنشاء صندوق عالمى للتهديدات الصحية العالمية بقيمة 10 مليارات دولار، وهو «ضئيل للغاية مقارنة بـ 10 تريليونات دولار التى تكبدتها الحكومات بالفعل فى أزمة كورونا».

فى غضون ذلك، يناقش صناع السياسة فى الولايات المتحدة كيفية التعامل مع الصين. يصف بعض السياسيين والمحللين الوضع الحالى بأنه «حرب باردة جديدة»، لكن وضع الصين فى هذا الإطار الأيديولوجى يشوه التحدى الاستراتيجى الحقيقى الذى تواجهه أمريكا. كان لدى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى القليل من التجارة الثنائية أو الاتصال الاجتماعى، بينما تتاجر أمريكا وحلفاؤها بكثافة مع الصين وتقبل مئات الآلاف من الطلاب الصينيين فى جامعاتهم. الرئيس الصينى شى جين بينغ ليس ستالين، والنظام الصينى ليس ماركسيا لينينيا بل «سوقا لينينية» ــ شكل من أشكال رأسمالية الدولة على أساس هجين من الشركات العامة والخاصة التابعة لنخبة حزبية استبدادية.

بالإضافة إلى ذلك، تعد الصين الآن أكبر شريك تجارى لدول عديدة منها الولايات المتحدة. يمكن لأمريكا فصل المخاطر الأمنية مثل هاتف هواوى عن شبكة اتصالات G5 الخاصة به، لكن محاولة تقليص جميع التجارة مع الصين ستكون مكلفة للغاية. وحتى لو كان تفكك الترابط الاقتصادى ممكنًا، فلا يمكننا فصل الاعتماد البيئى المتبادل الذى يخضع لقوانين البيولوجيا والفيزياء، وليس السياسة.

بما أن أمريكا لا تستطيع معالجة تغير المناخ أو الأوبئة بمفردها، فعليها أن تدرك أن بعض أشكال القوة يجب أن تمارس مع الآخرين. تتطلب معالجة هذه المشكلات العالمية أن تعمل الولايات المتحدة مع الصين فى نفس الوقت الذى تتنافس فيه مع أسطولها البحرى للدفاع عن حرية الملاحة فى بحر الصين الجنوبى. إذا ربطت الصين القضايا ورفضت التعاون، فإنها ستؤذى نفسها.

تتطلب الاستراتيجية الجيدة للمنافسة بين القوى العظمى تقييمًا دقيقًا للصافى. الاستخفاف يولد الرضا عن النفس، بينما المبالغة فى التقدير تولد الخوف. يمكن أن يؤدى أى منهما إلى سوء التقدير.

تعد الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وقد يتجاوز ناتجها المحلى الإجمالى (بأسعار صرف السوق) مثيله فى الولايات المتحدة بحلول عام 2030. ولكن حتى لو حدث ذلك، فإن دخل الفرد فى الصين يظل أقل من ربع مثيله فى الولايات المتحدة، وتواجه البلاد عددًا من المشكلات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية. فقد تباطأ معدل نموها الاقتصادى، وبلغ حجم قوتها العاملة ذروته فى عام 2011، ولديها القليل من الحلفاء السياسيين. إذا نسقت الولايات المتحدة واليابان وأوروبا سياساتها، فستظل تمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمى وستكون لديها القدرة على تنظيم نظام دولى قائم على القواعد قادر على تشكيل السلوك الصينى. هذا التحالف هو لب استراتيجية إدارة صعود الصين.

وكما يجادل رئيس الوزراء الأسترالى السابق كيفين رود، فإن الهدف من منافسة القوى العظمى مع الصين ليس الانتصار الكامل على تهديد وجودى، بل «منافسة استراتيجية مُدارة». سيتطلب ذلك من أمريكا وحلفائها تجنب تشويه صورة الصين. يجب أن ينظروا بدلا من ذلك إلى العلاقة على أنها «تنافس تعاونى» يتطلب اهتمامًا متساويًا لكلا جانبى الوصف فى نفس الوقت. وفقًا لهذه الشروط، يمكننا التعامل بنجاح، ولكن فقط إذا أدركنا أن هذه ليست منافسة القوى العظمى فى القرن العشرين.

النص الأصلى

التعليقات