بطاطا حارة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 30 سبتمبر 2020 7:48 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


بطاطا حارة

نشر فى : السبت 15 أغسطس 2020 - 7:35 م | آخر تحديث : السبت 15 أغسطس 2020 - 7:35 م

حول مائدة طويلة عامرة بالمقبلات اللبنانية يحلو الحديث عن السياسة ومجريات الأمور، لكلٍ رأيه حتى لو انتقد الجميع الطبقة الحاكمة ورموز الفساد والتبعية والاعتمادية وانقطاع الكهرباء المزمن. ينضم أصدقاء للطاولة بمحض المصادفة، فالعاصمة دائما تعج بالأحداث والمؤتمرات، يعيدون بناء العالم وتفكيكه ألف مرة في جلسة واحدة وهم يلتهمون طبقا من البطاطا الحارة متبلا بالكزبرة والثوم وزيت الزيتون والفلفل الأحمر الحريف، قبل أن تُقدم أطباق "المَزة" الصغيرة الأخرى.. خليط بديع ومتنوع من الصحون يشبه كثيرا البلد وتركيبته الخاصة وموقعه الجيوسياسي وتاريخه، إذ يحصي بعض خبراء الطهي ما بين ستين وثمانين صنفا من المقبلات في هذا البلد متعدد الأعراق، الذي يضم رسميا 18 طائفة دينية، موزعين بالأساس ما بين مسيحية (موارنة، أرمن أرثوذكس، أرمن كاثوليك، بروتستانت، سريان، يعاقبة) وإسلام (سنة وشيعة ودروز). حالهم مثل حال أطباق "المزة" التي تتراص أمامنا كالمنمنات، تشكيلة من الطعام الحاذق والحلو والحريف والمطهو والنيء والهش والمقرمش، من الخضروات واللحوم والفطائر والمعجنات، سلطة اللبن أو الزبادي كما نسميها نحن في مصر كتلك التي يصنعها اليونانيون، والسجق أصله قوقازي، وهذا الصنف من المعجنات أرميني، وورق العنب يختلف حشوه عن اليوناني والتركي، فعموما الطعام في هذه المنطقة التي خضعت طويلا للحكم العثماني متنازع على حقوق ملكيته، والخلافات لا تقف هنا أو هناك عند ترسيم الحدود بل تؤكد العديد من دول الجوار أنها هي من ابتدعت أطباق "المزة"، من اليونان وتركيا وأرمينيا وصولا إلى إيران، مرورا بلبنان وسورية والعراق وفلسطين. ندخل على هذا النحو في صراع اجتماعي لغوي تاريخي عتيد: "مَزة" مشتقة من فعل عربي "مزمز الطعام أي أكله شيئاً فشيئاً"، بل من كلمة فارسية معناها "مذاق أو نكهة"، لا بالأحرى من أصل يوناني لأن "ماسة" هو رغيف خبز تقليدي قد يستخدم مكان الطبق أو من لفظة "ماسو" التي تعني عجن باليد، ثم يأتي دور الأكراد والأتراك في الإشارة إلى مفردتين في لغتيهما معناهما وضع مجموعة من الأطباق على الطاولة وهما "ميزابينا" و"ميزيجاتر".
***
يدافع اللبنانيون عن مقبلاتهم حتى لو لم يحسم ذلك الجدل السائد أو ينفي عنهم الاتهامات بالشوفينية. يروي بعض أشهر طهاتهم وأصحاب كتب الطبخ اللبناني المنتشرة حول العالم أن المقبلات على النحو الذي نعرفه ظهرت في مدينة زحلة التي تأسست عام 1711 بمحافظة البقاع، إذ اشتهرت بمنتجاتها من العرق والنبيذ، وبالتالي كان ظهور الأطباق الصغيرة المصاحبة للشراب، ومن بعدها كانت عادة تأليف الأزجال حول المائدة التي يطول الجلوس حولها مع الندماء، لذا عرفت زحلة بمدينة الخمر والشعر، مدينة السهل والجبل، لأنها تربط سهل البقاع الخصيب ببيروت والجبل ودمشق، بل كانت همزة الوصل التجارية بين بيروت ودمشق وبغداد والموصل، خاصة بعد إقامة الخط الحديدي عام 1885. ورغم أن مساحة المدينة لا تتعدى ثماني كيلومترات مربعة إلا أنها صارت نقطة يلتقي عندها الجميع للاستمتاع بمطاعمها المتناثرة على نهر البردوني ومناقشة الجديد من الأفكار لساعات حول أطباق المقبلات، ما أسفر مثلا عن إنشاء أول نقابة حرة في لبنان، وهي نقابة عمال زحلة عام 1923.
وفي فترات نقص الغذاء أيام الحكم العثماني وقلة المحصولات الزراعية أحيانا بسبب الظروف المناخية الصعبة، كان على السيدات أن يعددن العدة ويوفرن "المونة" من خلال تجفيف بعض الأطعمة أو تخزينها وتخليلها بطرق مختلفة، ما نتج عنه بعض هذه الأطباق الشهيرة. برعت كل عائلة من منطقة إلى أخرى في تعديل الوصفات بما يناسبها، ففلان يذكر أن جدته كانت تضيف قليلا من عصير البرتقال إلى الحمص أما والده فقد كان يخلطه بالزبادي، وهكذا حتى صرنا أمام تنوع رهيب يشبه السكان، ويضاهي أيضا قدرتهم على التعاطي مع الحداثة أكثر من غيرهم، فمطبخهم كوزموبوليتاني وقد استطاعوا السفر به إلى سائر أنحاء العالم والترويج له، خاصة وأن نكهاته متوسطية بامتياز وطريقة تناوله وعلاقتها بالوقت قريبة من بعض دول المتوسط مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فهناك أيضا يختلط الأكل بالمشروب والأحاديث لساعات، والطعام ليس مجرد طقس وظيفي لملء البطون.
***
البطاطا الحارة تزيد أحيانا من حرارة النقاش. لا يوجد أحد تعجبه حياته، الكل يتطلع لهناك آخر، أفضل وأقل فوضى. لكن تظل روائح الزعتر والأوريجانو أو البردقوش البري تداعب الخيال وترجعنا إلى ربوع ذلك البلد الصغير المتوج بالخطر. كلمات مدام أنطوانيت التي اشتريت منها قبل سنوات بعض التوابل والنباتات العطرية التي جففتها منزليا ترن في أذني، لا أدري إذا ما ستظل على نفس القدر من الحماسة. أود أن أعود لزيارتها في دير القمر بمنطقة الشوف، على بعد حوالي الساعة من بيروت، فاحتسي عندها شراب اللوز الذي أعدته للزوار قبل أن تبيعهم بضاعتها. تخرج فجأة من بيتها الحجري وهي دائما على أهبة الاستعداد لتبادل الأخبار والأحاديث وأرقام التليفونات. واحدة من السيدات اللاتي احتفظن بوصفاتهن السحرية عبر العصور.

التعليقات