«طعم النوم».. دوائر الفن والواقع - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 7:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«طعم النوم».. دوائر الفن والواقع

نشر فى : الخميس 15 أغسطس 2019 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 15 أغسطس 2019 - 10:15 م

وكأنّ طارق إمام قد عثر فى روايته البديعة «طعم النوم»، (عن الدار المصرية اللبنانية)، على مفتاحٍ واحد يفتح كلَّ الأبواب: أراد أن يعارض فنيًا وفكريًا روايتى «الجميلات النائمات» لكاواباتا، و«ذاكرة غانياتى الحزينات» لماركيز، فانفتحت أمامه ذاكرة المدينة، وذاكرة الوطن، ثم وجد مفتاحًا يتأمل من خلاله أسئلة الماضى والحاضر، والعجز والقدرة، والواقع والخيال، والقتل بالفن، والقتل بالرصاص: فتاة نائمة أيقظت السرد والحكاية والقارئ معًا، وفتاة عارية تعكس عرى المدينة وأزمتها، بل لعل التعرى الحقيقى فى هذه الرواية هو تعرية الكتابة للداخل والخارج معًا، وتعرية صنعة السرد ذاتها أمام القارئ.
«طعم النوم» نصّ يحتفى بالدائرة لا بالخط المستقيم، كتابة ولّدت كتابة، وشهرزاد تلد شهرزاد، حكايات مستطرقة، وتاريخ يكرر نفسه، سواء على مستوى الشخصيات، أو على مستوى أزمات الوطن، مدينة ترسل أشخاصها إلى بيت، وبيت يلقى بشخصياته إلى المدينة.
يمتزج ماء الخيال بماء الواقع، ويحضر الماضى فى قلب الحاضر، وكأنه كتابةٌ على الكتابة، يتم التلاعب بالهويات، وكأنها تنويعات على نغمة واحدة، لا توجد صفة بدون نقيضها، أحياء موتى، وموتى يبعثون، والسرد يشهد على الجميع، على الشخصيات، وعلى التاريخ، وعلى نفسه، بل يشهد على مؤلفه، وهو يطبخ حكايته وأفكاره، ويشهد على القارئ والناشر فى تعاملهما مع كتب الرملى العجيبة.
براعة هذا العمل الفذ فى أن كاتبه يضيف إلى روايتين كبيرتين سابقتين رؤيته الخاصة، يوسّع عوالمهما وشخصياتهما، يضع فى المقدمة ثلاث نساء؛ هن: الفتاة العارية، ومديرة منزل النائمات، وأم الفتاة، ويروى من زاوية النائمة العارية لأول مرة.
فى روايتى كاواباتا وماركيز، المدينة صوت بحر غامض، والرحلة بأكملها زيارة إلى ماضى البطل الرجل اليقظ، بينما المدينة فى «طعم النوم» حاضرة فى بيت النائمات، وفى النائمات، وفى زائرى البيت، وفى المصنع، وفى المستشفى، بل لعل الفتاة وأمها ومديرة المنزل هن ثلاثة وجوه للمدينة، بين تاريخين مؤثرين.
يتقاطع ألم الشخصيات مع ألم المدينة، وانكشافهم مع انكشافها، ونومهم مع سُباتها، وكلامهم وكتابتهم مع صمتها، ولعل مولد فتاة عارية كاملة جديدة تعبير عن مولد مدينة جديدة، تكسر دائرة اللحية والبيريه، وتقتل الماضى ليحيا المستقبل.
براعة السارد فى أنه صنع من الخيال والواقع دائرة واحدة محكمة، وفى أنه انتقل من تعرية الجسد، إلى تعرية الواقع والتاريخ معًا، منح حكاياته الصغيرة قوتها المستقلة فى إطار الحكايات الكبيرة، وذكّرنا بأن كل كتابة لا تبدأ من فراغ أبدًا، ولذلك فإنها بمعنى من المعانى كتابة على كتابة: فى كل نص يتحول السارد إلى شهرزاد الكبيرة، وشهرزاد الصغيرة معًا، ويتحول المؤلف الساحر إلى الصحفى الكاتب جبريل، ورجل المسدس والمصنع معًا، الكاتب يحكى ويروى ويبنى ويهدم ويقتل ويخلّد، الكاتب هو كلمات روايته، وشخصياتها، وعريها، وجسدها، وألوانها، ومفاتيحها وأبوابها، والكتابة الروائية، بل الفن عمومًا، هو فعل تعرٍّ بامتياز، (ألف ليلة وليلة) تولد من جديد، شهر زاد تروى عن الآخرين، بينما هى تروى عن نفسها.
يجعل طارق من السرد ملكًا؛ جنوده الخيال والواقع والتاريخ والزمان والمكان، وتناقضات النفوس المعذبة، يصنع من الجسد رداء، ومن الزمن نهرًا، ومن الموت بعثًا، فتجيب الرواية عن أسئلة الحبكة وأسرارها، ولكنها تترك أسئلة أكبر فى عقل قارئها، صورتا الشهيد والزعيم تتسللان إلى بيت النوم وتؤرقه، ولعبة النوم واليقظة تعمل على كل مستويات الحكاية.
«طعم النوم» تلد أيضًا قارئها مثلما تلد كتابتها القادمة من الكتابة، إنها تطلع القارئ على حجرة البروفة، وعلى بروفة كتابة النص معًا، وهى تجعل حكايات كتب الرملى ناقصة لا تكتمل إلا بمشاركة قارئها وتفاعله، بل لعل كل سرد ناقص بالضرورة، ينتظر كتابة جديدة على الكتابة، مثلما ينتظر قارئًا جديدًا يكمله بخياله وبأفكاره.
أسئلة الحياة أزرار ملونة نبتلعها مثلما كانت تفعل شهرزاد الصغيرة، نظن أنها هضمت وخرجت، حتى يأتى يوم نستعيدها كاملة فى لحظة يقظة واسترجاع، وما الكتابة إلا اجترار للأسئلة الملونة، ومحاولة لرؤية ما تم ابتلاعه، فى لحظة هروب أو نوم، ولعلها أيضًا محاولة لكى نغير الفن بالفن، عوضًا عن فشل الواقع فى تغيير الواقع.

التعليقات