الحياة الدينية والفكرية فى إرهاصات عصر الميلاد - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 13 أغسطس 2020 7:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الحياة الدينية والفكرية فى إرهاصات عصر الميلاد

نشر فى : الأربعاء 15 يوليه 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يوليه 2020 - 8:15 م

بلغت الدولة الرومانية على عهد الميلاد غاية مداها، وصار من رعاياها أناس يختلفون فى الجنس واللغة والعقيدة.
وشهد عصر الميلاد عدة موجات دينية تجرى من الشرق وتغمر بلاد الدولة الرومانية بما فيها العاصمة الكبرى.
ويبدو أن اتخاذ النحل الشرقية كان موافقا للقياصرة وللرعايا فى وقت واحد، فقد كان القياصرة يطمعون فى الربوبية ويسمعون أن كهنة المعابد فى الشرق يعلنون حلول الألوهية فى أجسام الملوك ويرشحونهم للعبادة، ولا يزال خبر المناداة بالإسكندر ابنا للإله «آمون» خبرا يتناقله المطلعون على سيرة ذلك الفاتح.
أما رعايا الدولة الرومانية فكانوا خليطا من شعوب مختلفة، وسرى ذلك إلى الجيوش، ولم يكن من شأن هذا الخليط أن يتعصب لعبادات روما أو يعرض عن غيرها، فوافقه أن يتشبه بالمشارقة كما حدث فى عهد الإسكندر، وأن يطلب الربوبية أو يتلمسها فى القياصرة!.
ولا تزال سمعة الشرق عند الغربيين أنه مهبط الأسرار العلوية، وأن كهنة الشرق سحرة يطلعون على الغيب وينفذون إلى باطن الديانات، ولا يزال السحر البابلى مضرب الأمثال من الزمن القديم إلى الزمن الحديث.
فلا عجب إذن أن يؤخذ القوم بهذا السحر، ولهذا زحفت على العالم الروحانى نحلة «مثرا» ونحلة «إيزيس»، ونحلة المتنطسين، كما زحفت عليه نحلة «أورفيوس» اليونانية من آسيا الصغرى، ومرجعها هى أيضا إلى الشرق القديم.
* * *
وشوهدت آثار العبادة المثرية فى أقصى الدولة الرومانية من المغرب، سواء فى آثار السور الرومانى بالبلاد الإنجليزية وغيرها، أو فى شيوع هذه العبادة بين شبان الجيش.
واقترنت نحلة «إيزيس» المصرية بنحلة «مثرا» الفارسية فى غزو بلاد الرومان واليونان، فسماها اليونان «ديمتر» ونحلوها صفتها المصرية.
وخرجت من مصر أيضا نحلة قوية على قلة عدد المنتمين إليها، تلك هى نحلة المتنطسين Therapeuts التى ذكرها الحكيم الإسكندرى اليهودى فيلون، وقال إن أتباعها كانوا يجتمعون يوم السبت ويتفرقون بعد ذلك فى الصوامع للتأمل والدراسة الفلسفية ورياضة الروح والجسد.
ومما يلاحظه الأستاذ العقاد أن نحلة «أورفيوس» اليونانية لم يكن لها من الأشياع بين الرومان ما كان للنحل الشرقية الخالصة، وكثيرا ما قيل فى كتب المقابلة بين الأديان إن «آتون» الإله المصرى و«أدونيس» الإله اليونانى و«أدوناى» بمعنى السيد أو الرب باللغة العبرية ـ أسماء عدة ترجع كلها إلى مصدرها المصرى القديم.
ومن الواضح أن هذه النحل التى كانت تصطفى الأعضاء والمريدين ـ لم تكن ديانات عامة، وإنما كانت فى جوهرها أشبه بالروابط الاجتماعية.
وجملة ما يقال عن الحياة الدينية يومئذ ـ فيما يرى العقاد ـ أنها كانت حياة تقليد أو حياة تطلع ورغبة فى الاعتقاد عن بحث وبينة، وأنها كانت تجرى مجراها إلى «العالمية»، وأهم من هذه «العالمية» فى النحل ـ «عالمية» فى اللغة والثقافة حطمت أقوى الحواجز التى كانت قائمة قبل ذلك زهاء عشرة قرون، فبعد أن كانت العبرية هى لسان «يهودا»، ما لبث أن تعددت الكتابة باللغة الآرامية وما يشابهها من اللهجات السريانية، فكانت الآرامية هى اللغة التى بشر بها السيد المسيح والتلاميذ، وكانت اليونانية هى لغة الأناجيل، وكانت السريانية هى لغة التوراة والإنجيل معا. وأهم الظواهر فى سياق الكلام على الحالة الدينية العامة قبل الميلاد أن العقائد الوثنية كانت فى حالة أشبه ما تكون بحالة التصفية قبل إشهار الإفلاس.
الحياة الفكرية
كانت المذاهب الفكرية شائعة فى بلاد الجليل حيث ولد السيد المسيح، ومن قبل عصر الميلاد بعدة قرون، وأكثرها الفيثاغورية والأبيقورية والرواقية.
وتتلاقى هذه المذاهب الثلاثة فى غاية واحدة، هى طلب السكينة والراحة، إلا أن الفيثاغورية كانت أقرب إلى الروحانية بين عقائد الأمم المختلفة.
وكان الفيثاغوريون الذين كانوا طائفة تجتمع فى «أخوة» ـ يعتقدون فى رئيسهم «فيثاغورس» أنه ابن الإله «أبولون» وأنه لم يمت وسيبعث بعد حين، لأنهم يؤمنون كأهل الهند بتناسخ الأرواح.
* * *
أما الأبيقورية والرواقية، فقد ظهرتا فى عصر واحد، وانتشرتا بين المثقفين فى جميع أنحاء العالم المعمور.
ونشأ «أبيقور» بين القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، على الأرجح فى جزيرة «ساموس» على مقربة من شواطئ آسيا الصغرى، وافتتح مدرسته فى حديقته المشهورة بأثينا سنة 311 ق. م وهو فى نحو الثلاثين.
وإذا قيست فلسفة أبيقور على معيشته الشخصية، فهى حياة نساك متقشفين، وكان يقضى معظم أيامه على الخبز والماء، ولكن اسمه اقترن باللذات والشهوات لأنه كان يعلم تلاميذه أن السرور هو غاية الحياة، وأن أفضل السرور هو السرور الذى لا يعقب ألما وندما، ولهذا كان يدعو لتجنب الشهوات البهيمية لأنها تعقبها الندامة.
وكان أبيقور يرى أنه من الحماقة الإعراض عن سرور مستطاع فى غير ألم ولا ندم، ويواجه الموت نفسه على مذهبه هذا فى السرور والألم، ذلك أنه إن لم يكن فى الموت مسرة فإن فيه خلاصا من آلام الحياة، ولذلك عاش مذهب أبيقور فى عصور الشك والسآمة وفقدان اليقين.
* * *
أما المذهب «الرواقى» فيخلص فى كلمتين: الصبر، والعفة.
الصبر على الشدائد، والعفة عن الشهوات، فلا سعادة للإنسان من غير نفسه وضميره، ومن راض نفسه على مغالبة الألم والحزن وقمع الشهوة والهوى ـ فقد بلغ غاية السعادة.
والرواقيون يؤمنون بالقدر، ويعتقدون أن الكون كله نظام متناسق يجرى على حسب المشيئة الإلهية، والوحى والرؤيا والفأل وطوالع النجوم من وسائل العلم بأسراره وخفاياه، ويلتقى الإنسان بالعقل مع الآلهة، ويلتقى بالجسد مع الحيوان الأعجم، وفضيلة الإنسانية هى أن يطيع العقل ويعصى الجسد بمقاومة شهواته، وطاعة العقل فى طلب المعرفة.
ويقول الأستاذ العقاد: إن الرواقيين نشأوا ماديين فى البداية، يؤمنون بأن الوجود كله أصل واحد، ولكنهم تدرجوا فى الروحانية وانتهى خلفاؤهم فى عصر الميلاد وما بعده إلى الإيمان بحرية الروح فى مواجهة المادة، فالإله الأكبر «زيوس» لا يستطيع أن يجعل الجسد حرا من قيود المادة ولكنه يعطينا قبسا من روحه الإلهية، فنصبح بنعمته إخوة لا يفرق بينهم وطن ولا جنس ولا لغة.
ويتبع الرواقى طريق القدر لأنه هو الخير وليس مجرد ضرورة، فإن الإله الأكبر لا يريد شرا ولا يخلقه، وما هذه الشرور التى فى الدنيا إلا نقائض محتومة يستلزمها وجود الخير ولا يعقل الخير بغيرها.
والمدرسة الرواقية مدينة كلها ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ للأئمة الشرقيين، لا سيما القطبين الكبيرين: زينون (340 ـ 270 ق م) وبوزيدون (135 ـ 51 ق.م)، وخلاصة مذهب «زينون»: «أن الإله جوهر ذو مادة Soma وأن الكون كله هو قوام جوهر الإله، وأن الإله يتخلل أجزاء الكون كما يتخلل العسل قرص الخلايا، وأن الناموس Nomas ـ وهو بعبارة أخرى مرادف للعقل والحق ـ هو والإله زيوس شىء واحد يقوم على تصريف مقادير الكون».
وباقى نظريته أن الواجد الموجود واحد، كان منفردا بلا شريك، فشاء أن يخلق الدنيا فأصبح هواء وأصبح الهواء ماء، وجرت فى الماء مادة الخلق Sparmathos Logos
كما تجرى مادة التوليد فى الأحياء فبرزت منها مبادئ الأشياء وهى النار والماء والهواء والتراب، ثم برزت الأشياء كلها من هذه المبادئ على التدريج، ولا شىء عنده أعظم من الكون Cosmos فهو عاقل لأنه عظيم.

التعليقات