عصر عباد الشمس - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الخميس 13 أغسطس 2020 8:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عصر عباد الشمس

نشر فى : الأربعاء 15 يوليه 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يوليه 2020 - 8:10 م

أصبح التمسك بالأمل مهمة شاقة هذه الفترة، تماما كما بات البحث عن الجمال وسط الكآبة صعبا. حقول مساحاتها ضخمة لا يهتم بها أحد فتنبت فيها ما يسمى بالأعشاب الضارة فتأكل تربتها وتسحب منها الروح. آلاف البيوت المغلقة على قصص لا يقوى أصحابها أن يحكوها علنا، تجتاح الرطوبة أبناءها أو بالأحرى بناتها فتتجمد أطرافهن دون أن يشعر بهن أحد، ثم يمسك أحدهم أول الخيط ويسحبه لتنهمر التفاصيل وتسقط الجدران. تدخل أشعة الشمس فتكشف مدى الضرر الذى لحق بالبيت حين قرر أصحابه أن يتهاونوا مع عملية ترميمه لأنهم كانوا يرون فيها صعوبة ومشقة.
***
تتداخل الأشعة بأشكال معاكسة فتظهر بعض الألوان هنا وهناك وسط الرمادى، وسط الرماد. ثمة أشخاص يعيشون هنا، تعايشوا مع قصص تراكمت دون أن تحل، هناك أجيال كبرت مع الخيبات حتى تطبعت بها، وتعودت على القبح حتى لم تعد تقاومه.
***
وهناك زهرة عباد الشمس التى اخترقت حقل النباتات الضارة وشدت قامتها ورقبتها فوق القبح. ها هى تشيح بوجهها عن اللؤم وتمد وجهها نحو الشمس، أيام وتنبت قربها زهرة أخرى ثم أخرى وأخرى. هكذا يظهر خط من تلك الزهرات قوية الأعواد مشرقة الوجوه لتعيد النور إلى حقل الظلام. تخرج قصة صعبة إلى الملأ يكون أبطالها معروفين لكن تفاصيلها مخفية، فلان أذانى، فلان تحرش بى، فلان لم يترك فرصة لم يستغلها أسوأ استغلال.
***
يخترق عود عباد الشمس النباتات العفنة ويسمو فوقها فتحيط به الأخريات وتحميه. من الصعب جدا البوح بتفاصيل لطالما خبأها المجتمع فى حفر عميقة مستخدما ذريعة العرف والدين والسمعة والفضيحة، باسم كل هؤلاء يُمنع منعا باتا كشف المستور وإعلان تفاصيل ربما يعرفها الكثيرون إنما لا إرادة جماعية أو مجتمعية لمعالجتها، إذ سوف تفتح أبوابا مقفولة بأقفال عمرها آلاف السنوات.
***
جسد المرأة؟ حرام. تحررها؟ عيب. رأيها؟ منقوص. دينها؟ ناقص. حكمها؟ أحمق. بصيرتها؟ قصيرة. لكن صبرها؟ طويل، وهو حبل الغسيل الذى يحمل كل الثياب الملوثة ولا يفضحها.
***
يتفتح عباد الشمس وسط الحقول المحروقة فيعيد لها الروح. يدخل اللون الأصفر بزهو وقوة وسط العشب المحروق. تفرد الشمس أشعتها فتصل إلى الزوايا المظلمة. الآن وقت نشر الغسيل ومعاينة البقع فى الضوء علنا نفكك بعض العقد وندخل فى نفق مؤلم نخرج منه أقوى. أستغرب أحيانا كم الوقت الذى استغرقه وقوفنا فى الظل، نحن النساء. لا أستغرب أكثر أن مع كل قصة تظهر إلى العلن تخرج معها آلاف القصص المؤكدة لها. لكنى أستغرب ثبات قطاع واسع من المراقبين على مواقف بالية. ماذا كانت تلبس حين تحرش بها؟ لماذا صدقته؟ ماذا تتوقع كنتيجة لانحلال أخلاقها؟ أما هو، فآلاف من يدافع عنه ويدفع عنه التهم، هو ضحية غرائزه، هو يقع تحت ضغط عمله وعائلته والسياسة ويتحمل ثقل السلطة والمال.
***
ها نحن نفتح دفاتر قديمة فى الوقت الذى نحاول فيه لملمة صفحات جديدة. من الصعب التعامل مع الجديد دون العودة إلى القديم الذى رسخ تقييمات مجحفة. من الصعب أيضا محاكمة القديم بأدوات صغناها فى السنوات الأخيرة فقط. أظن أن الحركة الحالية ضد التحرش سوف تكشف أخيرا عن تطبيعنا الجماعى، سواء بشكل واع أو مسير، مع منهج طويل ومركب من العنف المجتمعى. «ذلك لا يحدث فى دائرتى المباشرة»، حسنا. «لا يحدث حولى»، فعلا؟ «دينى لا يسمح بذلك»، دعنا نرى ما يمسح به دينك وما ينهى عنه. «أخلاق الطبقة الوسطى تنبذ هكذا تصرف»، هل باستطاعتك أن تعرف بأخلاق الطبقة الوسطى لو سمحت؟
***
قد أتقبل أن ثمة مجموعة قواعد مجتمعية ترسخت عبر قرون من تداخل العادات والثقافات والأديان المختلفة فنتج عنها مفهوم فضفاض عما يسمح به داخل مجموعة وما يعتبر مرفوضا. لكن حين يتقدم مفهوم المساواة ويوضح مفهوم التحرش ويدرك الكثيرون منا معنى الحرية الفردية وضرورة أن يحمى القانون الأفراد، ثم ندرك ضعف حماية قوانين بلاد المنطقة العربية للأفراد بالمقارنة مع حمايتهم للأنظمة، حين ندرك أن حقوق المرأة موضوع يشار إليه دون أن يتم تطبيقه، نفهم أن ما يحدث اليوم من كشف تصرفات ووصفها بأنها مشينة ومهينة هو أمر ضرورى جدا لإعادة ترتيب البيوت.
***
الكلام عن زنى المحارم عيب، تعليم مبادئ الصحة الجنسية سوف يدفع باتجاه ارتكاب الخطايا، الإشارة إلى المتحرش سوف يدمر مستقبله (ومستقبلها). إلى متى نكنس التراب بمكنسة مهترئة وندفعه ليظل تحت السجادة؟ إلى متى نستتر خلف طبقات من الموروث لأن التشكيك بها غير مستحب؟ إلى متى الرضوخ لسهولة التكرار بدل من محاولة التغيير؟ إلى متى يستمر نبذ من يحاول التغيير فقط لأن ذلك أسهل من الاعتراف بأنه قد حان وقت نسف بعض الممارسات مع ما تكرس له من استغلال؟
***
هذا عصر عباد الشمس، تلك الزهرة غير المتطلبة التى تنمو وسط الحقول دون أن تحتاج كثيرا من العناية. أنا عن نفسى أبحث عن زهور عباد الشمس وأنظر إلى وجهها فهى لا تغلط حين تتجه نحو النور. عند أرجلها تنبت الحشائش الضارة لكن لا يهم، فعودها قوى ورأسها فوق العفن، وسرعان ما تجذب زهورا أخرى تملأ الفضاء من حولها. أظن أننا بدأنا أخيرا مرحلة عباد الشمس.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات