حقيقة مسرحية الانتخابات الأمريكية - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 7:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

حقيقة مسرحية الانتخابات الأمريكية

نشر فى : الأحد 15 مارس 2020 - 10:45 م | آخر تحديث : الأحد 15 مارس 2020 - 10:45 م

أصبح الكثيرون يتشككون فى مدى مصداقية قصة القلق والترقب التى تعيشها الولايات المتحدة كل أربع سنوات، وهل هى حقيقية أم مفتعلة؟ ومع ذلك، يستعد لها الشعب الأمريكى بل ويتابع العالم أجمع أحداثها بشغف يوما بعد آخر وكأنها رواية خيال جديدة بأبطالها وناسها ومغامراتها. ويترقب العالم نتائج هذه الانتخابات دون غيرها من انتخابات تجرى فى أى دولة أخرى ويتطلع الجميع إلى من سيكون «زعيم العالم الحر» على نحو ما يلقبه الشعب الأمريكى.
وعلى عكس نجاح الحزب الجمهورى منذ أربع سنوات فى اختلاق رئيس جديد من خارج المؤسسة استطاع جذب فئات متفاوتة من الشعب الأمريكى وكانت من أبرز سماته الجسارة واعتناق القوة التى تميل أكثر إلى العدوانية، الشخصية القادرة على تكييف القانون لتحقيق مصالحها أكثر من مصالح ووحدة شعبها، الشخصية التى تسير خارج السرب باعتداد وغير مبالاة بالقواعد والنظام، تفرض نفسها على الجميع. هذه هى شخصية الرئيس ترامب، الذى نجح فى حكم الولايات المتحدة بيد من حديد كما نجح فى تسيير العالم وفقا لهواه وتغليب معتقداته فى اتفاقية النافتا وتقليم أظافر ألدّ أعدائه، الصين وروسيا.
ويقف الرئيس ترامب اليوم موقف المتفرج أمام ما يشاهده بالنسبة لتكرار ذات السيناريو مع الحزب الديمقراطى، حيث نشاهد نفس التخبط الذى عانى منه حزب الجمهوريين فى الانتخابات الماضية. ولم يتوقع أحد أن يهزم رجل الأعمال والبليونير ترامب أحد قمم الحزب الديمقراطى والشخصية السياسية المخضرمة التى ترعرعت فى قلب المؤسسة الأمريكية السيدة هيلارى كلينتون.
فهل ينجح الحزب الديمقراطى فى ارتسام شخصية جديدة تنافس الرئيس الحالى وتحظى بقبول الشعب الأمريكى، أم يظل ترامب متربعا لأربع سنوات أخرى لا منافس له؟ غير أن ما نشاهده اليوم من تربص الحزب الديمقراطى للرئيس الحالى قد يفوق أى من العداءات السابقة بين المتنافسين والأحزاب المضادة. فإن الديمقراطيين بأطيافهم المختلفة يعرفون أن مهمتهم الأسمى هى إيجاد القائد والمحرك الذى سيعمل على تجميع الحزب ليقف متضامنا فى المعركة القادمة ضد ترامب. كما أن الديمقراطيين جميعا على يقين من أن الفشل ليس بديلا مطروحا، لأن ذلك معناه أربع سنوات أخرى من حكم ترامب. وهكذا، أوضح الناخبون الديمقراطيون فى الانتخابات التمهيدية، أن تخليص الأمة من ترامب هى قضيتهم الأولى والأساسية باحثين عن الشخص المحتمل الذى يمكنه الإطاحة بترامب.
ولم يتبق فى حلبة المعركة الديمقراطية سوى بيرنى ساندرز وجو بايدن. وإن عاجلا أم آجلا سيُسقط الناخب الأمريكى ساندرز من حساباته، وهو ما يعتقد الكثيرون أن صعوده فى انتخابات 2016 لم تكن بالضرورة لآرائه السياسية التقدمية ولكن بدافع العداء لكلينتون. وينعدم هذا السبب فى الانتخابات الحالية لأن جو بايدن، بغض النظر عن عيوبه، لا يثير نفس العداءات داخل الحزب التى كانت تثيرها كلينتون.
ومرة أخرى يختار الحزب الديمقراطى أن يلعب فى المضمون، فيبدو أن جو بايدن وهو رجل المؤسسة سيفوز بلقب المرشح للحزب الديمقراطى ليدخل المعركة من مركز قوة ضد ترامب. وليس من قبيل المبالغة القول إن جو بايدن نائب الرئيس الأمريكى السابق كان أداؤه فى الانتخابات الأولية أقل من المتوسط، بل ضعيفا ومهزوزا، وكاد يخرج من المعركة الانتخابية لتحول مموليه عنه وفقدان الأمل فيه. غير أن النجاحات المتتالية مؤخرا ساهمت فى نجاح جو بايدن فى استقطاب أصوات المرشحين الديمقراطيين الآخرين والذين انسحبوا من حلبة القتال لصالحه. وبات ساندرز محصورا فى قاعدته الانتخابية المحدودة ما بين خريجى الجامعات البيض واليساريين فى الحزب.

وزن الشرق الأوسط فى الانتخابات الأمريكية
وإذا ما انتقلنا إلى ما يهم مصر ومنطقتنا بالنسبة لوزن الشرق الأوسط فى الانتخابات الأمريكية القادمة، يصعب علينا القول إنها لا ولن تتصدر الانتخابات القادمة من قريب أو بعيد. فمن غير المرجح أن يكون لسياسة الشرق الأوسط وزن كبير فى الانتخابات الأمريكية. وهذا ليس بغريب، فنادرا ما تكون السياسة الخارجية الأمريكية بصفة عامة قضية رئيسية فى ذهن الناخب الأمريكى، وهذه الانتخابات ليس استثناءً. اللهم إلاّ بالنسبة لإسرائيل والنزعة المتعصبة لها فى سياسات الرئيس ترامب مستهدفا اجتذاب أصوات الناخب الأمريكى وخاصة المسيحيين الإنجيليين والتى تقدّر بحوالى ربع الناخبين. وتمثلت سياسات الإدارة الأمريكية فيما قامت به من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبرتها عاصمة إسرائيل، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، أو خطة ترامب للسلام والتى يطلق عليها «خطة القرن» والتى تنص على ضم إسرائيل جميع مستوطنات الضفة الغربية. وكلها قرارات مصيرية بالنسبة للسلام فى المنطقة. بيد أن هذا يقابله على صعيد آخر وربما يكون العامل الرئيسى وراء إشعال تصاعد الهجمات المعادية للسامية فى الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة. فإن هذه قضية خلافية، يمكن أن يكون لها دور فى ولايات رئيسية مثل فلوريدا وميشيغان وبنسلفانيا.

تخوف الرئيس ترامب من احتمالات المرشح الديمقراطى جو بايدن
هذا، ولم يكن ترامب غافلا منذ الوهلة الأولى عن احتمالات نجاح بايدن قبل أن يؤكدها الحزب نفسه. فقد استشعر الرئيس ترامب بل أيقن ما قد يمثله له بايدن من خطر فى المعركة الانتخابية. وكادت فضيحة ترامب ــ أوكرانيا ومحاولاته المضنية لإلزام الرئيس الأوكرانى زيلنسكى بالتشهير بجو بايدن بل ومحاكمة ابنه، كادت هذه الفضيحة تؤدى إلى إقالة الرئيس ترامب نفسه والتحقيق معه لسوء استخدامه لمنصبه. فقد سعى الرئيس الأمريكى إلى الضغط على رئيس أوكرانيا من خلال الامتناع عن صرف المساعدات العسكرية، التى كانت بتفويض من الكونجرس، بقيمة 400 مليون دولار. واليوم، بدأت حملة الرئيس ترامب تعمل ألف حساب للمرشح المستقبلى للحزب الديمقراطى جو بايدن. وما يزعج الجمهوريين اليوم هو التحول المفاجئ والسريع ابتعادا عن ساندرز والاقتراب نحو بايدن، الذى استطاع أيضا جذب الناخبين البيض ذوى الياقة الزرقاء، أى الطبقة العاملة وشباب خريجى الجامعات، من بين مؤيدى ساندرز.
فما يتميز به بايدن هو الهدوء والتوازن والجلد، وهى صفات ستجعله ــ فى نظري ــ الخيار الآمن للحزب الديمقراطى والذى لن ينفِّر الناخبين ذوى الميول المختلفة داخل الحزب من الالتفاف حوله، إذ إن الهدف الرئيسى هو توجيه ضربات شديدة للحزب ضد ترامب دون أى تردد أو التباس أو انحراف. وليس على بيرنى ساندرز سوى الانسحاب لصالح لم شمل الحزب فى المعركة القادمة ضد ترامب، وهو المسار الذى يتوقع غالبية الديمقراطيين منه أن يسلكه. فإن استراتيجية الحزب الديمقراطى فى الانتخابات القادمة ستعمل على شن هجمات مركزة على شخصية الرئيس ترامب وسياساته المقوضة للقيم والمبادئ الأمريكية. وستكون الانتخابات أكثر اعتمادا على نسبة الإقبال ووضع الاقتصاد والرعاية الصحية.
وفيما يتعلق بالموقف إزاء إسرائيل وهو من المرجح أن يكون الموضوع الغالب فى الانتخابات القادمة، فإن جو بايدن أكثر مرونة فى مواقفه تجاه إسرائيل وبعيدا كل البعد عن تصريحات ساندرز ومواقفه المعروفة ضد إسرائيل واعتبار رئيسها نتنياهو عنصريا. ومن ثم، فإن بايدن أكثر قدرة على استعاضة التصويت اليهودى الأمريكى والذى كان تاريخيا ديموقراطيا. وتظل الغالبية العظمى من اليهود الأمريكيين ليبراليين ومعظمهم معادون لترامب.
غير أن الحكمة السائدة فى الشرق الأوسط هى أن ترامب سيفوز بولاية ثانية، وبالتالى لا يهم النقاش حول الشرق الأوسط فى الانتخابات الأمريكية. فى حين أنه لا ينبغى اعتبار أى شيء أمرًا مسلمًا به فى الانتخابات الأمريكية، فلطالما فاجأنا الناخب الأمريكى بنتائج تصويته.

مساعدة وزير الخارجية الأسبق

 

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات