موسم الجوافة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 17 يناير 2022 6:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


موسم الجوافة

نشر فى : الخميس 15 مارس 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 15 مارس 2018 - 9:40 م

غمر نور الصباح مدخل الشقة معلنا بداية يوم جديد، تكسرت الأشعة الذهبية على الأريكة المزركشة والفوتيات الضخمة فى دلال وكسل، امتزج دفء النهار مع بقايا برودة الليل فصنعا جوا لطيفا نصف بارد نصف حار، ضربت الحمامة زجاج النافذة بجناحها وهَدَلَت تريد أن تقول نحن هنا. وفى محيط هذا المشهد النهارى البديع كانت تتحرك صاحبتنا، مدت يدها لتطفئ نور الأباچورة التى تحدد معالم الطريق أمام السائرين ليلا، ففى نور ربنا ما يكفى ويزيد. ارتطمت بقفص الجوافة مازال يقبع مكانه منذ الأمس بجوار باب الشقة ولم تخالجها تجاهه أى مشاعر.. لم يحن الوقت بعد لتنقله إلى محطته الثانية فى المطبخ ولا صَفَت نفسها بعد تجاه زوجها لتقضم إحدى ثمار الجوافة التى أهداها لها.. لم يعتذر لها بعد كما ينبغى.
***

خمسة عشر عاما من العشرة بينها وبين ياسين وكل خلافاتهما تمر بنفس السيناريو، تعاتبه فيستخف، تثور فيغضب، تحزم حقيبتها فيُوَسِط الأولاد، تنتبذ البهو الفسيح فيحمل لها قفصا من الجوافة، تترك القفص حيث هو ثم بسياسة الخطوة خطوة تنقله إلى المطبخ، وبعد ذلك تفرغه فى كيس من البلاستيك وتغلقه.. تحسن غلقه جيدا جدا قبل أن تضعه فى ثلاجتها فليس أكثر نفاذية من رائحة الجوافة، وأخيرا تروح تتسلى على محتويات الكيس ثمرة ثمرة. اليوم مازال قفص الجوافة فى المحطة الأولى من رحلته، نعم يغريها هذا صحيح، لكنها تقاوم، تمر به كلما غدت أو راحت فتتحاشى النظر إليه وتدندن بصوت خفيض أغنية الست: وعزة نفسى مانعانى وعزة نفسى مانعانى !
***

قبل أن تختلط المواسم وتصبح كل الخضر والفواكه متاحة على مدار العام كان ياسين يواجه مشكلة عويصة فى فصل الشتاء فليس فى الشتاء جوافة، وهذا يطيل عمر الخصام. عندما كانا يتناجيان كان يسألها ياسين: لماذا الجوافة بالذات؟ فكانت ترد: القلب وما يعشق.. ثم تضيف أن الجوافة فاكهة الغلابة وهذا يضمن ألا أُحرَم منها أبدا. مرت الأيام ولم تعد الجوافة فاكهة الغلابة ضربها جنون الأسعار كما ضرب كل شيء ولا حيلة لها فى ذلك. حكايتها مع الجوافة صارت مثار تندر الأولاد الأشقياء، فحين كان يلف ياسين الأسواق بحثا عن قفص جوافة دون جدوى كان يخاطبها ابنها الأكبر ممازحا: مشّيهَا يوسفندى المرة دى يا ماما ! فكانت تشيح بوجهها وترد: بل قل لأبيك أن يقصر خلافاتنا على فصل الصيف !
***

والحق أن التوقيت الموسمى لخلافاتها مع ياسين كان أمرا مستحيلا لسبب بسيط هو أن حماتها لم تكن تكف عن التدخل فى شئونها فى كل الأوقات وفى جميع المواسم. خلافهما الأخير مثلا تفجر بعد أن انتقدت حماتها نتائج امتحانات نصف العام لأولادها، وهى كانت تعتبر أن كل ما يخص أولادها هو مجالها الخاص جدا الذى لا تسمح لأحد بالاقتراب منه. التقط المحيطون بها هذه الرسالة منذ سنوات زواجها الأولى فامتنعوا عن التدخل، أما حماتها فلا.
***

لقد وقفت صاحبتنا حياتها على أولادها فلم تعمل رغم ما أتيح لها من فرص وبعضها كان يُغرى، كان قرارها ذاتيا وبعد فترة قصيرة من الصراع الداخلى مع نفسها حسمت أمرها وقرّت فى بيتها. أصمّت أذنيها عن نصائح ثمينة من نوع أن العمل يقوى المرأة أو أن الاستقلال المالى يضمن مستقبلها أو أنها ستشعر بالفراغ حين يكبر الأولاد، تخلت عن فضاءات الخارج بزحامه وأنواره وعلاقاته وتجاربه واكتفت بهذا الممر داخل شقتها، ممر تفتح عليه غرفتان يسكن أولاهما اثنان من الذكور وتسكن ثانيتهما فتاة واحدة، صار هذا الممر وهذا الثلاثى هو كل عالمها، وهى مستعدة للدفاع عنه إلى المدى الأقصى.
***

قبل تعليق حماتها على نتائج الامتحانات كانت هناك تعليقات كثيرة على رياضات الأولاد وملابسهم وتغذيتهم ونظافتهم ورحلاتهم وأصدقائهم... إلخ. وكل تعليق كان يتلوه وعد من ياسين بألا يتكرر الأمر ثانية لكنه كان يتكرر. وعندما كانت تخلو صاحبتنا إلى نفسها كان يحدثها شيطانها بأنها ساذجة يصالحها زوجها بقفص من الجوافة لكنه لا يعالج أبدا جوهر الخلاف، هذه معادلة غير عادلة: تُستباح علاقتها بأولادها دون حق مقابل بعض من ثمار الفاكهة. وفى مواجهة هذا الهجوم كانت تضطر أحيانا أن تدافع عن نفسها، تتجمع حبات اللؤلؤ فى مقلتيها وتقول إن الأمر فى الواقع لا علاقة له بالجوافة، وإن الجوافة هى مجرد ذريعة تتلكأ بها حتى تستمر الحياة وحتى يظل الحبل ممدودا بين غرفتى الأولاد وغرفتها مع ياسين، لكنها غير راضية كل الرضا عن حياتها. تدافع أكثر عن كرامتها قائلة إنها لا تستجيب من فورها لمحاولات الصلح بالجوافة، بل هى تتريث وتؤجل وتنتظر و..... تترك الفرصة لثمار الجوافة كى تنضج ويصبح مذاقها ألذ وأشهى!
***

سال لعابها على سيرة الجوافة الشهية فقررت أن تختزل لها رحلتها الروتينية من باب الشقة إلى الثلاجة ولو على سبيل الاستثناء، حملت القفص بين ذراعيها فى حب ووضعته فى المطبخ كما تفعل دائما، وقبل أن تتخذ ثماره طريقها إلى الثلاجة كانت قد كافأت نفسها بواحدة منها، التقطت ثمرة لامعة كاملة الاستدارة راقت لها وقضمتها بتلذذ.. توغلت فيها أكثر فأكثر، وفى ثوان قليلة امتلأ فم صاحبتنا بعشرات من بذور الجوافة!

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات