«ثلاث لوحات إعلانية».. ثلاث شخصيات دونكيشوتية! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 14 يونيو 2021 4:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

«ثلاث لوحات إعلانية».. ثلاث شخصيات دونكيشوتية!

نشر فى : الخميس 15 مارس 2018 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 15 مارس 2018 - 9:30 م

مفتاح هذا الفيلم ليس فى محاولة امرأة قوية أن تضغط على الشرطة للكشف عن قاتل ومغتصب ابنتها، ولكن المفتاح هو أن تكون هذه الفكرة منطلقا لتقديم ثلاثة نماذج إنسانية مدهشة، بصورة تجمع بين التعاطف والسخرية، ثلاثة نماذج أقرب إلى «دون كيشوت» فى محاربته لطواحين الهواء، وفى إدراكه للهدف، رغم ضعف الوسائل والقدرات، لذلك نضحك ونتعاطف فى نفس الوقت، إنه فيلم عن أبطال مهزومين، يناقضون تماما معنى البطولة فى الأفلام الهوليودية.

هكذا رأيت الفيلم الأمريكى «ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينج فى ميزورى»، الذى كتبه وأخرجه مارتن ماكدوناه، فاللوحات الإعلانية الثلاث التى تنشرها الأم ميلدريد على الطريق لانتقاد تقاعس رجال الشرطة فى اكتشاف قاتل ومغتصب ابنتها، ليست سوى الحيلة الدرامية لاكتشاف ثلاث شخصيات غريبة فى مدينة أمريكية صغيرة، تشترك الشخصيات فى بطولة الفيلم، ولكنهم أبعد ما يكونون عن البطولة والكمال، بمن فيهم ميلدريد كما جسدتها بعبقرية وبراعة فرانسيس ماكدورماند، الفائزة عن دورها بأوسكار أفضل ممثلة.

البداية خادعة تماما، إذ تظن أنك أمام إحدى الشخصيات المتكررة لبطلة تتمسك بحق ابنتها حتى تحصل عليه، ولكنك سرعان ما تكتشف أن المرأة الشرسة التى تلوم الشرطة لأنها لم تؤد واجبها، تشعر هى نفسها بالذنب لأنها كانت دائمة الشجار مع ابنتها، ويوم الحادثة بالتحديد رفضت أن تعطى الابنة السيارة، وكان ذلك أحد أسباب المأساة.

ميلدريد انفصل عنها زوجها، الذى يراها امرأة مضطربة، كان أيضا يضربها، وهرب من الأسرة إلى فتاة شابة، والأهم من ذلك كله أن ميلدريد لن تصل إلى قاتل ابنتها، ستصبح معركتها مع الشرطة، وأهل المدينة، لديها هدف عظيم، وامرأة مدهشة، ولكن المعركة فى الاتجاه الخطأ، لا رجال الشرطة مثاليون، ولا هى أيضا.

على الجانب الآخر، شخصيتان تقدمان نفس التنويعة «الدونكيشوتية»: رئيس الشرطة ويليام ويلوبى (وودى هارلسون)، ونائبه جيسون ديكسون (سام راكويل/ أوسكار أفضل ممثل مساعد)، كل منهما له معركته الخاصة، ويلوبى يعانى من سرطان البنكرياس، وينتحر معتبرا ذلك شجاعته الأخيرة، رغم آلام زوجته وأطفاله، ويترك خطابات لزوجته ولميلدريد ولنائبه جيسون، وكأنه يدير المعركة من الخارج.

ونائبه جيسون لديه تاريخ عنيف وسيئ ضد المتهمين، عنيف، ومخمور فى أحيان كثيرة، ويرعى أما مسيطرة بعد وفاة والده، الاثنان، ويلوبى وديكسون، يخوضان المعركة أيضا فى الاتجاه الخاطئ، فبدلا من البحث عن القاتل، وفتح ملف القضية من جديد، يخوضون الحرب ضد ميلدريد، ولوحاتها الإعلانية على الطريق.

هما يتعاطفان معها، ولكن حرصهما على صورتهما أكبر، وأقصى ما يقدمه لها ويلوبى هو تبرع لدفع إيجار لوحاتها بعد انتحاره! وأقصى ما يفعله ديكسون لها هو اكتشاف مغتصب آخر فى ولاية أخرى! لا يعرف هو، ولا ميلدريد، ماذا سيفعلان بشأن هذا المغتصب الجديد، وكأنه تعويض خائب عن معركة خسرها الجميع.

هذه إذن ثلاث لوحات إعلانية كاشفة عن ثلاث شخصيات رسمت بذكاء بكل ألوانها، وبينما يبدو من السهل أن تكون المعالجة تراجيدية؛ لأنك تتحدث عن أم مطلقة، قتلت واغتصبت ابنتها، تدخل فى معركة مع ضابط مصاب بالسرطان، وضابط فاشل تسيطر عليه أمه، فإن كاتب السيناريو مارتن ماكدوناه اكتشف المفارقة الساخرة، والمسافة the anti heroes.

الثلاثة لا تنقصهم الطيبة ولا الشجاعة ولا النبل، مثل دون كيشوت، ولكن تنقصهم الفطنة والحصافة، مثله أيضا، فرغم تعاطفنا مع ميلدريد، مثلا، فإنها تبدو بشراستها، وتهورها، أقرب إلى شخصية مضطربة، وكأنها ترد على عنف زوجها فى اتجاه معاكس. والضابط ويلوبى يمارس أيضا العنف، ولكن بإطلاق الرصاص على رأسه، وجيسون له تاريخ عنيف مع المتهمين، ونراه وهو يضرب ويلقى صاحب الوكالة الإعلانية التى كتبت اللوحات من النافذة، لا تنقص الشخصيات الطيبة، ولكنها أبعد ما تكون عن الوعى.

ومن هذه المفارقة، لا نتوقف عن التعاطف مع الثلاثة، ولا نستطيع أيضا التوقف عن الاستغراب من نزقهم وتصرفاتهم العجيبة، هنا موضع قوة السيناريو، فى تلك المنطقة الرمادية، فى تقديمه للشخصيات من كل الزوايا، وفى أن نقترب إنسانيا من الثلاثة، نفهم منطقهم، ونعرف أن المشكلة فى أنهم تركوا المعركة الحقيقية، وذهبوا إلى المعركة الخاطئة.

من النادر أن تجد فى فيلم أمريكى كل هؤلاء الأبطال الخائبين رغم نبلهم وطيبتهم، ذلك أن النجاح بسبب الموهبة والفطنة والجهد فكرة هوليودية بامتياز، بينما لدينا هنا فشل رغم الطيبة والقوة والجهد، ومن النادر أن تتقاسم ثلاث شخصيات بطولة زائفة على هذا النحو المتقن والخادع.

السيناريو الفذ فى بنائه يمنح التأثير لميلدريد فى البداية، ثم ننتقل منها إلى مأساة ويلوبى، وبسبب انتحاره يتصدر الضابط جيسون الصورة، ثم نعود فى النهاية إلى ميلدريد، وكأن كل شخصية توصل إلى الأخرى، وتكتشف أخيرا أن اللوحات المنصوبة على الطريق لا تتعلق بالجريمة فحسب، ولكن مرسوم عليها ثلاث بورتريهات رائعة لشخصيات تعرف الهدف، ولكنها لا تعرف الطريق إليه، وهى فكرة عظيمة، تستدعى نماذج إنسانية كثيرة، يمكن أن تراها فى كل المجتمعات.

فإذا أضفت إلى ذلك قوة المشخصاتية الذين لعبوا أدوار «ميلدريد» و«ويلوبى» و«جيسون»، وكذلك كل ممثلى الأدوار الأخرى، وخصوصا ممثل دور صاحب وكالة الإعلانات، وممثل دور القزم الذى يحب ميلدريد. وإذا أضفت قوة امتزاج الماساة بالملهاة على نحو متقن، فإنك تستطيع أن تتحدث عن فرسان جدد يطاردون طواحين الهواء، بينما يجلس قاتل ومغتصب الفتاة هادئا، فى مكان ما، من إيبينج فى ميزورى، أو فى مدينة أخرى.

التعليقات