أعمل فى مصنع يوم الأربعاء - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 8:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

أعمل فى مصنع يوم الأربعاء

نشر فى : الأربعاء 15 مارس 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 مارس 2017 - 9:25 م

يحكى أنه فى فترة ازدهار أول مصانع للسيارات فى أمريكا، وقد تكون القصة قد تم تداولها فى مصنع سيارات فورد أو شيفروليه، يحكى أن عمال المصانع كانوا يقولون إن عملهم يوم الإثنين، أى يوم عودتهم من عطلة نهاية الأسبوع، يكون عادة بطيئا بعض الشىء، ريثما يستعيدون روح وروتين العمل بعد يومى عطلة نهاية أسبوع. ثم يقال إنهم يوم الثلاثاء يبدأون يومهم بشكل أكثر نشاطا من يوم الإثنين، وأن قمة قدرتهم على الإنتاج تكون يوم الأربعاء، فى منتصف أسبوع العمل حيث تكون طاقاتهم فى أوجها. ثم يبدأ أداؤهم بالتباطؤ قليلا يوم الخميس، قبل أن يطغى عليهم التعب يوم الجمعة، فى آخر الأسبوع وعشية الراحة الأسبوعية يومى السبت والأحد لذا فقد كان المولعون بالسيارات يحاولون أن يختاروا سياراتهم من تلك التى تم تصنيعها على خط الإنتاج فى المصنع يوم الأربعاء.
لا يعلم أحد إن كانت الحكاية صحيحة، لكنه نتج عنها فيما بعد عبارة «سيارة يوم الأربعاء» وتم ترويج فكرة أن أفضل السيارات هى التى يتم تجميعها وتصنيعها فى المصنع يوم الأربعاء، أى يوم الإنتاجية العالية. حتى أن المغنى الأمريكى جونى كاش قد غنى فعلا أغنية يقول فيها «لو أنك شخص محظوظ فإن السيارة التى تشتريها تكون مصنوعة يوم الأربعاء».

•••

أشعر أننى فى هذه المرحلة من حياتى أعمل فى مصنع، أصل صباحا فأضع على ملابس العمل، أدخل إلى قاعة مكتظة بالعمال فأسمع أصواتهم تعلو فوق صوت حركة الآلات. تختلط قصصهم بصوت حف المعدن، بينما يصدح من زاوية لا أراها صوت عبدالوهاب يليه صوت شادية وأحيانا نغمات من مسرحية للأخوين رحبانى. تعمل يداى دون توقف طوال النهار، حتى أن حركتهما اكتسبت بعض الآلية من كثرة التكرار اليومى.
أين تعملين يا تمارا؟ أعمل فى مصنع. أى مصنع يا تمارا؟ مصنع الذكريات.
كل يوم، أدخل وجوه أطفالى الثلاثة فى قوالب تحفظ تعابيرهم، ألتقط أصواتهم فأضعها فى آلة تحفظها على أسطوانات. كل يوم أحفظ صور بيتى وشارعى والحى الذى أعيش فيه فى علب صغيرة أكتب عليها التاريخ بعناية وأرصها فوق علب اليوم السابق، الأسبوع السابق، العام السابق.

•••

أنا أعمل فى مصنع أدخل فى إحدى آلاته تفاصيلى اليومية فتتحول إلى شريط الذكريات، ذلك الذى سوف أفكه بعد عشرين أو ثلاثين سنة. كل يوم فى المصنع هو يوم أربعاء، يوم تزداد فيه قدرتى على الإنتاج بحكم أننى فى منتصف الأسبوع، فى منتصف الحياة، فى منتصف الحلبة، أو هكذا تبدو لى هذه المرحلة من حياتى المقسمة بين العائلة والعمل ومدارس الأولاد، بل وصخب اللقاءات مع الأصدقاء، وزخم الحديث عن السياسة والتغيرات، وإمكانية اكتشاف كواكب أخرى قد ننتقل إليها بما أنه يبدو أن الأرض بدأت تضيق بنا.
أنا أعمل فى مصنع أعلب فيه تفاصيل حياة يومية عادية، فتكتسب مع الوقت قيمة عندى كما تكتسب اللوحات الفنية شهرة وقيمة مع مرور السنوات. نحن ننظر مطولا فى المتاحف إلى أدوات كان يستعملها من سبقونا على هذه الأرض، نتمعن فى لوحات زيتية تصور وجبة عشاء أو طبقا من الفاكهة، هذه كلها تفاصيل حياتية لأناس عاشوا من قبلنا، تحولت بعد ذلك إلى أعمال فنية أو تاريخية يتم حفظها فى المتاحف خلف الزجاج. بالطبع لم يكن من استخدم هذا المشط أو شرب فى ذاك الكأس يعرف أن أداة لا قيمة كبيرة لها فى حينها سوف تكون، بعد عشرات أو مئات السنين، بمثابة دليل على أن فلانا قد مر من هنا، من على هذه الأرض، وترك فيها أثرا نعتبره اليوم مادة تاريخية.

•••

أنا أعمل فى مصنع سوف أتقاعد منه يوما ما، وأخرج منه بصندوق كبير أضع فيه كل العلب التى أنتجتها فى سنواتى هناك. سوف أرص العلب بعناية فائقة فى غرفة الجلوس التى سوف أمضى فيها معظم الوقت بعد ذلك. أفتح العلب جميعها الواحدة بعد الأخرى بتأنٍ، أبدأ من آخر علبة وأمشى عكس التاريخ، إلى أن أصل إلى أول علبة ملأتها بنظرة زوجى يوم زفافنا. سوف أقوم إذا برحلة أعود فيها أدراج السنوات التى قضيتها داخل المصنع، أنا لم أمضِ حياتى كلها داخله طبعا، ولكن لنقل أن فترة عملى فيه كانت الفترة الأكثر زخما فى حياتى.

•••

سوف أجلس على كرسيى المفضل، ذاك الذى بهت قماش مسنديه بسبب الاستعمال ولأن موقعه فى الغرفة هو الأكثر تعرضا للشمس. سأركن على الطاولة الصغيرة إلى يمينى فنجانا من الشاى بالقرفة، ثم أضع الصندوق أمامى على الأرض وأخرج منه أسبوعا تلو الأسبوع من القصص. ياااه، هذا يوم عيد ميلاد الصغيرة، ومن هذه؟ هل كانت صديقة والدتى أم زميلة لى فى العمل؟ سوف أعيد بناء السنوات من على كرسيى فى غرفتى المفضلة، وسوف أسمع أحاديث كثيرة كنت قد غلفتها بعناية حتى لا تفقد أيا من رنتها.
أنا أعمل فى مصنع كل يوم من أيامه يوم الأربعاء، وأعرف أننى سوف أنتقل فى مرحلة لاحقة إلى يوم الخميس فالجمعة فيوم العطلة، وقتئذ سوف أحمل صندوقى بمن أحب وآخذه معى إلى مرحلة الراحة، التى سوف تكون عامرة بعلب وضعت فيها وجوه وأصوات الأحبة التى سوف ترافقنى بعد أن يكون كثير ممن فيها ربما رحلوا.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات