الحقيقة المُرَّة: «القضية الفلسطينية» أم «قضية فلسطين»؟ - فيس بوك - بوابة الشروق
الأحد 1 نوفمبر 2020 2:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الحقيقة المُرَّة: «القضية الفلسطينية» أم «قضية فلسطين»؟

نشر فى : الأربعاء 15 يناير 2020 - 10:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يناير 2020 - 10:00 م
نشر الكاتب لبيب قمحاوى على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» مقالا تناول فيه الفرق بين اصطلاحيّ «القضية الفلسطينية» و«قضية فلسطين» وأيهما الأنسب فى التعبير عن المحنة التى يمر بها الشعب الفلسطينى، وأسباب فشل القيادات الفلسطينية وضرورة تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرير إلى قضية حقوق وطنية لتنسجم مع الواقع الجديد... ونعرض منه ما يلى:
الحديث فى الشأن الفلسطينى يصبح أكثر مرارة مع مضى الأيام، ومؤشرات الانكسار فى الموقف الفلسطينى تبدو الآن أكثر وضوحا من مؤشرات النهوض، ولكن ما هو البديل؟ ظواهر الأمور تشير إلى انحسار عام فى الاهتمام الدولى والعربى بما يجرى فى فلسطين ولفلسطين وللقضية الفلسطينية مع أن بواطنها قد لا تكون بذلك السوء.
ولكن ما الذى يخفيه الباطن بحيث يفسح المجال أمام بعض التفاؤل وسط خِضَم هائل من الخسائر الواضحة فى الموقف الفلسطينى العام؟
من الحصافة أن نحصر حديثنا داخل حدود فلسطين التاريخية وندرس ونحلل عوامل القوة والضعف الكامنة فى الوضع العام داخل فلسطين المحتلة شاملا مكوناتها الفلسطينية والإسرائيلية باعتبار ذلك هو العامل الأهم والأكثر تأثيرا فى تحديد مستقبل القضية الفلسطينية.
يعانى المجتمع اليهودى الإسرائيلى من حالة استقطاب سلبى حاد يكاد يصل فى تجذره إلى واقع تقسيم ذلك المجتمع إلى قطبين: التيار الدينى اليمينى المتشدد والتيار العلمانى البراغماتى، علما أن كلا القطبين يشتركان فى صهيونيتهم وعدائهم للشعب الفلسطينى وحقوقه. وعلى الرغم من حالة الاستقطاب والتشرذم تلك والعداء المتبادل داخل أوساط ومكونات المجتمع الإسرائيلى، إلا أن عداءهم للفلسطينيين يبقى هو الأساس والعامل المشترك بينهم جميعا. أما الآمال الساذجة المحزنة لبعض الفلسطينيين بإمكانية النفاذ من داخل الخلافات الإسرائيلية للحصول على مكاسب استراتيجية للفلسطينيين فتبقى فى خانة الأوهام نتيجة لضخامة وتماسك قاعدة العداء الأيديولوجى والاستعمارى الإحلالى التى ما زالت تغلف موقف الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين.
***
إن ما جرى مؤخرا من رفض جميع الكتل السياسية الإسرائيلية القبول بتشكيل حكومة إسرائيلية تعتمد فى بقائها على أصوات النواب العرب فى الكنسيت واعتبار القبول بذلك من أى طرف إسرائيلى بمثابة انتحار سياسى، يعطى فكرة واضحة عن مدى تأصل العداء الأيديولوجى الإسرائيلى ضد الفلسطينيين العرب، ولكن واقع الحال هذا ليس نهاية الطريق. الإسرائيليون مهما فعلوا لن يستطيعوا التخلص من الفلسطينيين ونفس الشيء قد ينطبق على الفلسطينيين فيما لو كان هذا هو هدفهم. الوضع الراهن يشير إلى أن الفلسطينيين ابتدأوا فى تبنى مواقف أكثر ليونة وذكاء واستجابة للتحديات وللمتطلبات التى لازمت ونتجت عن الواقع السييء لقضيتهم على مدى العقود الأخيرة، وأخذوا بالتالى يهدفون على الأقل إلى استعادة حقوقهم فى وطنهم كمواطنين، فى حين ما زال اليهود يهدفون، حتى الآن، إلى التخلص من الفلسطينيين كوسيلة لاستعمار كامل وطن الفلسطينيين وتحويله إلى وطن لهم. ولكن الفلسطينيين موجودون على الأرض وكذلك اليهود الإسرائيليين وهذا هو واقع الحال القائم بالرغم عن ما يريده كل طرف لنفسه وهو التحدى الأكبر الذى يجابه كل الأطراف المعنية.
لقد مر الفلسطينيون بحقبة الحل العربى وفشلوا، ومن ثم حقبة الحل الفلسطينى وفشلوا وحقبة حل الكفاح المسلح وفشلوا، وحقبة أوسلو والتعاون مع الاحتلال وفشلوا، وحقبة الانتفاضة الأولى والثانية وفشلوا، فما العمل؟
سواء فشل الفلسطينيون أو أُفشلوا، فإن الحقيقة واحدة. فالفشل فى الحسم أو فى الوصول إلى نتيجة هى الحقيقة التى تتراوح أصولها بين فشل الفلسطينيين أنفسهم أو إفشالهم من قبل الآخرين، علما أن الفلسطينيين عانوا فى الحقيقة من الإفشال أكثر من معاناتهم من الفشل.
إن فشل الفلسطينيين يعود فى أصوله إلى تشتتهم فى بقاع الأرض وتعرضهم لمؤثرات مختلفة ومتناقضة من جهة، وإلى دولية الصراع فى فلسطين واختلاط القوى المؤثرة والفاعلة فى تحديد مسار هذه القضية وصولا إلى نقطة الاستقرار من المنظور الدولى عندما أصبحت قوة إسرائيل العسكرية تفوق مجموع القوى العسكرية للعرب. هذا بالإضافة إلى أن القيود التى فرضها الفلسطينيون على أنفسهم من خلال الإصرار على برنامج من الثوابت الوطنية الجامدة التى لا تقبل الجدل مع كونها تتناقض مع ميزان القوة السائد قد عزز من فشل الفلسطينيين فى الوصول إلى نقطة الحسم أو التعادل. واستمر هذا الموقف إلى أن جاءت اتفاقات أوسلو كمنعطف جديد نحو تنازلات أوصلت الفلسطينيين إلى حقبة السلطة الفلسطينية وتعاونها مع الاحتلال الإسرائيلى من خلال التنسيق الأمنى. وهكذا قفز الفلسطينيون بقيادة حركة فتح من المسار النضالى والكفاح المسلح إلى مسار التعاون والاستسلام لواقع الاحتلال والقبول بدويلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية وحتى هذا الأمر رفضه الإسرائيليون بالنتيجة!! مسار عجيب ولكنه حقيقى.
***
الواقع الفلسطينى كما هو الآن يشير إلى أن حركة فتح قد أصبحت نظام حكم لدولة غير موجودة وحماس أصبحت بالمقياس نفسه نظام حكم لدولة شبه موجودة بحكم عدم رغبة الإسرائيليين بالاستحواذ على قطاع غزة لأسباب عديدة.
نحن إذا أمام واقع مؤلم تندثر فيه حركات مقاومة فلسطينية بائدة بحكم اختيارها ليتحول واقعها إلى أنظمة حكم تسعى إلى المحافظة على وجودها حتى ولو كان ثمن ذلك تمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية والتنازل عن الأهداف الوطنية الفلسطينية، وهو أمر يرحب به الإسرائيليون كونه يخدم مصالحهم بشكل ملحوظ. وهكذا تحولت التنظيمات الثورية المقاتلة فى أصولها إلى أنظمة حكم فى واقعها، تستمد شرعيتها من سلطات الاحتلال علما أن سلطتها أقرب ما تكون إلى إدارة أمنية/ خدماتية دون أى سيادة حقيقية أو حتى شبه حقيقية.
إن انزلاق القيادات الفلسطينية المختلفة إلى فخ السلطة قد جاء على حساب القضية الفلسطينية. وهكذا فإن الواقع الحالى للفلسطينيين، على مرارته، يتطلب نظرة شجاعة جديدة تتعامل مع قضيتهم بمنظور جديد واستيعاب أفضل للواقع وتحدياته دون التفريط بالثوابت الأساسية للحقوق الفلسطينية تحت شعار الواقعية.
«القضية الفلسطينية» هو اصطلاح أصبح يعنى أمورا محددة مرتبطة بالفلسطينيين أنفسهم فقط وبالمطالب التقليدية التاريخية للفلسطينيين. المطلوب الآن التوقف عن استعمال مصطلح «القضية الفلسطينية» والتوجه نحو استعمال اصطلاح «قضية فلسطين» بدلا عنه، حيث إن واقع الأمور الآن يشير إلى أن الثوابت التقليدية للقضية الفلسطينية قد تم انتهاكها من قبل الجميع بما فى ذلك القيادات الفلسطينية نفسها وأنظمة الحكم التى تمثلها، ناهيك عن العرب والمجتمع الدولى. كما أن اصطلاح «القضية الفلسطينية» يشير إلى الفلسطينيين فقط باعتبار أن هذه القضية هى قضيتهم وقضية الشعب الفلسطينى بصورتها التقليدية. وفى هذا السياق، فإن اصطلاح «القضية الفلسطينية» مرتبط فى ذهن الجميع بالفلسطينيين حصرا وليس بفلسطين كمساحة جغرافية تشكل الوطن التاريخى للشعب الفلسطينى، ولكنها تحتوى الآن على آخرين مما يقتضى توفر القدرة على التوصل إلى حل مشترك يعكس القدرة على التعامل مع الواقع ولكن بنديَّة وليس من خلال التشبث بالخيال والتعلق بحبال من الأوهام، أو الولوج فى مسار التنازلات والاستسلام لإرادة الإسرائيليين.
اصطلاح «قضية فلسطين» يشير إلى الأرض وما عليها ويتطلب توافر الرؤيا والقدرة على التعامل مع تلك الحقائق المرّة الموجودة على الأرض بغض النظر عن الأسس الشرعية والقانونية والأخلاقية لذلك التواجد. إن التعامل مع الأرض وما عليها باعتبارها «قضية فلسطين» يهدف إلى نقل القضية من كونها مشكلة الفلسطينيين فقط إلى كونها مشكلة كل من يقطن الآن على أرض فلسطين التاريخية.
***
ارتباط الشعب الفلسطينى بأرض فلسطين لا يعنى بالضرورة عدم وجود حل سوى الحل التقليدى الاقصائى الذى لا يسمح بشيء سوى التحرير الكامل وعودة الأمور إلى ما كانت عليه بالرغم من الحقائق المرّة للاحتلال الإسرائيلى وقضمه المتواصل للأرض والشعب معا، وتفريط القيادات الفلسطينية والعربية بالحقوق والثوابت التاريخية للقضية الفلسطينية.
الواقع يحتم على الفلسطينيين الآن إعادة التفكير فى هذا الموضوع بشكل جدى يتوافق مع التطورات التى طرأت على القضية الفلسطينية خلال السبعين عاما الماضية والتى تحتم إعطاء هذه القضية العنوان الملائم والمحتوى الواقعى من خلال استبدال هدف التحرير بالحقوق الوطنية وهو هدف أكثر واقعية كونه يعمل على ربط المواطنة بالأرض وعلى ربط كلاهما بالحقوق الوطنية أكثر من ربطهما بالتحرير وبالمنظومة التاريخية التى رغم صحتها وأحقيتها قد لا تنسجم مع الواقع الجديد أو قد تفتقر إلى مقومات النجاح فى المدى المنظور. هذا التطور قد يتطلب تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرير إلى قضية حقوق إنسان بمفهومها الكامل الذى يشمل الحقوق السياسية ضمن إطار دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية.
التعامل مع القضية الفلسطينية من منظور جديد يصبح أمرا ملحا فى ظل الأوضاع البائسة والانهيار المتتالى فى وضع «القضية الفلسطينية» والهدف بالطبع لا يسعى إلى التفريط أو يقبل به بأى شكل كان، بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريف قضية فلسطين ضمن أولويات جديدة ووسائل نضالية جديدة ومبتكرة تهدف إلى كسر الجمود الذى لحق بالقضية الفلسطينية والانهيارات المتتالية التى لازمت مسيرتها السياسية والنضالية، علما أن حل «القضية الفلسطينية« لن يأتى إلا من داخل فلسطين وهو بالتالى يجب أن ينبع من الواقع القائم الآن على تلك الأرض ويفترض بل ويتطلب بقاء الفلسطينيين على أرضهم التاريخية فلسطين وتمسكهم بهذا التواجد وبوضعهم وحقوقهم كمواطنين فى وطنهم التاريخى بغض النظر عن مسمى الكيان السياسى الذى يحكم ذلك الوطن فى مرحلة تاريخية أو أخرى.
التعليقات