المشاركة الشعبية ضرورة مرحلة - جورج إسحق - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2020 8:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المشاركة الشعبية ضرورة مرحلة

نشر فى : السبت 14 ديسمبر 2019 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 14 ديسمبر 2019 - 9:40 م

منذ أيام هيئة التحرير ثم الاتحاد القومى ثم الاتحاد الاشتراكى ثم حزب مصر ثم الحزب الوطنى، ومصر تتعثر فى مسألة المشاركة الشعبية، إما عن طريق الهيمنة والصوت الواحد رغم التعددية الوهمية، وحتى بدايات ومنتصف السبعينيات، حيث ظهرت المنابر الثلاثة؛ اليسار واليمين والوسط، ثم تغيرت إلى أحزاب. وعندما بدأت الأحزاب تمارس حقها فى التواجد مع الناس وتنظيم المؤتمرات والنقد الموضوعي؛ انبرى السادات وأعلن أن الديمقراطية لها أنياب، ولذلك انخفضت المشاركة الشعبية للحد الأدنى، والمشاركة الشعبية هى حق الإنسان فى تنظيم الحياة الاجتماعية بالمعنى الواسع، فهل يُترك الأمر للنخبة أن تتولى الموضوعات وتفويض الناس أشخاصا معينين ليتولوا أمورهم؟ أم باختيار ديمقراطى حر لاختيار من يمثلهم؟!
***
والمشاركة مرتبطة ارتباطا عضويا بالتنمية، والتنمية تشمل قضية التعبير عن الرأى، قضية حرية الصحافة، قضية التعليم بأنواعه وقضية حقوق الإنسان التى لا يجب أن تنتهك، ولذلك هناك قائمتان للتنمية، قائمة مادية وتنمية معنوية. وإذا سادت فى حياتنا حياة ديمقراطية بها احترام لاختلاف وجهات النظر وفيها حرية حقيقية فى جميع المجالات، وارتفع نطاق المشاركة فى المجتمع المصري؛ سيجعل ذلك مصر من الدول المتقدمة ويرتفع مستوى نوعية الحياة التى يعيشها الشعب. ولذلك يجب أن نشجع ونطور ونتيح الفرص لعمل الجمعيات الأهلية والنقابات مما يحقق جزءا مهما من عملية المشاركة، حيث أنه من خلال هذه الجمعيات والنقابات تُفرَز الصفوة القيادية التى تكون على قدر كبير من الوعى للمشاركة فى الأمور المتعلقة بصنع القرار السياسى، وذلك من خلال ممارستهم العمل داخل هذه المنظمات. وتحرير النقابات من كل وسائل الرقابة والضغط. وأضرب مثلا واضحا كونى عضو نقابة المعلمين؛ حيث إن تلك النقابة أكثر خضوعا للسلطة الحاكمة وتستطيع الدولة الضغط عليهم والحد من نشاطهم؛ ولذلك لا نرى لهم صوتا حتى فى تحديث قوانين وأسلوب التعليم والمناهج، فى حين أن نقابة المحامين تستطيع أن تلعب دورا أهم من الدور الذى تلعبه الآن، كل هذه الأمور تؤثر على إمكانية المشاركة فى العملية الاجتماعية والسياسية. فمشكلة مصر الحقيقية هى مشكلة الحريات، ونتمنى فى المرحلة القادمة أن يفتح الباب للحريات العامة فى مصر، وسيأخذ ذلك وقتا طويلا، لكن يجب أن نبدأ لأن هذا مجال واسع ومتعدد المشارب، ويتطلب التدريب على الديمقراطية منذ الصغر؛ مثل نقد البرامج التليفزيونية التى تتبنى رؤية واحدة، فيجب أن نعطى لأطفالنا فرصة التعبير عن رأيهم فيما يرون، إلى جانب المؤسسات البرلمانية والمحليات التى يجب أن تتميز بالتنوع وإعطاء الفرصة لأحزاب المعارضة أن تكون موجودة وليس فقط أحزاب الموالاة، ولكل شيء ثمنه؛ فهذه المحاولة تتطلب تضحيات كبيرة، ويجب أن يكون من يدعو إلى هذا التحول على استعداد أن يدفع ثمن ما يؤمن به، خاصة أن عدد الذين سوف يدخلون قائمة المنتخبين عدد كبير جدا من الشباب الذين سوف يغيرون المعادلة على المدى الطويل.
***
ويجب أن ندعو الناس ألا يفرطوا فى حقهم فى التصويت لأن هذا يؤثر على مستقبل أبنائهم وأحفادهم. ومن حسن الحظ أن مسألة تزوير الانتخابات أصبحت ضعيفة إلى حد ما بسبب التقنيات الجديدة والرقابة المحلية والدولية. فيجب أن يشارك الناس فى التصويت فى الانتخابات للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية ومحاولة إعادة التوازن فى المجتمع بين الفقراء والأغنياء وإعادة توزيع الثروة وعدم احتكار السلطة وتوعية الناس قبل التصويت بالبرامج التى سوف يصوتون من أجلها بشكل مبسط لجماهير الناس العادية وليس للترويج لأى أحد. وحين تنزل الجماهير غير المشاركة لتشارك يتغير شكل اللعبة كلها، فهناك فرق بين انتخابات يشارك فيها مليون مواطن، وبين انتخابات يشارك فيها 20 مليونا، وحتى إمكانية التزوير حينها تكون صعبة مع هذا العدد الضخم. فالغياب الجماهيرى فى مصر هو الإشكال الحقيقى فى التطور السياسى والإشكال الحقيقى فى عدم المشاركة، فالجماهير لم تفوض أحدا عنها ولم تدل بصوتها فى الانتخابات بشكل جيد. وحينما نتحدث عن الجماهير نتكلم بشكل خاص عن العمال والفلاحين، وإتاحة الفرصة لهم دون تحديد نسبة وترك جماهيرهم لاختيارهم للتعبير عن مشاكلهم، وفى نفس الوقت إذا كانت السلطة التنفيذية هى الحاكمة والباقى على الهامش فهذا الذى نطالب بتغييره.
***
ويجب أن تنتشر فكرة قبول الآخر، ونقصد بالآخر الشريك، حتى لو كان مضادا فى الفكر أو العقيدة، ويجب أن ينشأ الطفل منذ صغره على هذا الأساس وأن يؤمن الفرد بأن الآخر هو جزء من نفس الفرد، فإذا ما أنكر الفرد ذلك الجزء فإنه ينكر نفسه. ومن مظاهر حياتنا السياسية والاجتماعية التى لا تساعد على تفعيل الديمقراطية أن جميع القنوات التليفزيونية موحدة وجميع الجرائد موحدة، فكيف نشرح للطفل منذ الصغر معنى النقد! وعندما يصبح البرلمان به كتلة واسعة من أحزاب الموالاة وكتلة ضعيفة من أحزاب المعارضة يؤدى ذلك إلى ضعف البرلمان.
ورغم ما يقال عن مشاركة الشباب فإن أزمة مشاركة الشباب فى الحياة السياسية ما زالت قائمة، فمشاركة الشباب ليست بزرٍّ يُضغط عليه، وإنما هى عملية مكتسبة يتعلمها الشباب وتنمو خلال مراحل حياتهم. فمشاركة الشباب لا تأتى من خلال إجراءات مُعلبة ولكن من خلال ممارسة حقيقية يشترك فيها كل أفراد الشباب المؤيد والمعارض، لأن الصوت الآخر مهم جدا فى تنمية الحياة الديمقراطية. وتصبح التعددية الحزبية حقيقة واقعة وليست شكلية، ورجوع الثقة فى الحياة السياسية وفعاليتها من خلال إعطاء فرص حقيقية لكل طوائف الشباب وليس بطريقة انتقائية. ومن الأمور المؤسفة حرمان طلبة الجامعة من أداء دورهم السياسى، ولو تتبعنا تاريخ مصر نجد أن كل القيادات السياسية وكل الفاعلين الحقيقيين تم تكوينهم داخل الجامعة، وهذا موجود فى كل أنحاء العالم. ومن مظاهر القصور فى العملية الانتخابية والاستفتاءات الأخيرة أن هناك رفضا كبيرا لهذه الطريقة فى الممارسة الديمقراطية، فيجب أن نعمل على غرس قيم المشاركة فى نفوس الشباب عن طريق المؤسسات التعليمية والتوسع فى برامج التثقيف السياسى لطلاب المدارس والجامعات، إلى جانب إعادة النظر فى لائحة الاتحادات الطلابية للجامعات ورفع الحظر عن الترشيحات المختلفة لإعادة الثقة بين الشباب والمجتمع... نحن فى مرحلة شديدة الأهمية فى تاريخ مصر، والفرصة مواتية لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

جورج إسحق  مسئول الاعلام بالامانة العامة للمدراس الكاثوليكية
التعليقات