أبعاد التمرد فى إقليم تيجراى الإثيوبى - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الجمعة 26 فبراير 2021 9:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

أبعاد التمرد فى إقليم تيجراى الإثيوبى

نشر فى : السبت 14 نوفمبر 2020 - 8:05 م | آخر تحديث : السبت 14 نوفمبر 2020 - 8:05 م

لقد تصاعدت الأعمال العسكرية التى أطلقتها الحكومة الاتحادية الإثيوبية فى 3 نوفمبر 2020 على القوات المحلية فى إقليم تيجراى الشمالى، وتنوعت ما بين قصف جوى وعمليات عسكرية لإنفاذ ما أسماه رئيس وزراء إثيوبيا آبى أحمد، القانون وسيادة الدولة ضد زمرة من المتمردين فى الإقليم يعملون على إشاعة عدم الاستقرار والفوضى وإفساد برنامجه للتحول الديمقراطى والتنمية فى إثيوبيا.
وقد ناشد أمين عام الأمم المتحدة، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقى، ورئيس وزراء السودان آبى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا وقف القتال والدخول فى حوار سياسى لتسوية الأزمة وذلك خشية أن تمتد حالة عدم الاستقرار إلى أقاليم أخرى من إثيوبيا، بل قد تعبر الحدود إلى الدول المجاورة لإقليم تيجراى الإثيوبى خاصة أريتريا والسودان. ولكن آبى أحمد، أعرب عن شكره لكل من عرضوا الوساطة وطمأنهم بأن العملية العسكرية التى أطلقها لن تستغرق وقتا طويلا حتى تحقق تطبيق القانون وسيادة الدولة وتقديم المسئولين عن التمرد للعدالة.
***
ويعتبر إقليم تيجراى الشمالى من الأغنى نسبيا بين الأقاليم الإثيوبية الأخرى رغم أنه يكاد يكون من أقلها سكانا حيث يمثل سكانه نحو 6% من إجمالى سكان إثيوبيا البالغ عددهم نحو 110 ملايين نسمة. كما أن زعماء التيجراى كان لهم دور كبير فى إزاحة النظام الدكتاتورى الماركسى فى إثيوبيا فى عام 1992 واستطاعوا منذ هذا التاريخ السيطرة شبه الكاملة على الائتلاف الحاكم فى أديس أبابا، وكان لهم دور فعال فى الحرب التى وقعت بين إثيوبيا وأريتريا فى الفترة ما بين 1998ــ2000، واستطاعوا طوال فترة العداء والقطيعة مع أريتريا والتى امتدت نحو 21 عاما، أن يحصنوا إقليم تيجراى بالقواعد العسكرية وجميع أنواع الأسلحة والمعدات وتدريب المقاتلين تحسبا لعودة الحرب من جديد مع أريتريا. وكانت النتيجة أن أصبح إقليم تيجراى الشمالى مقرا لمعظم الأسلحة والمعدات للجيش الإثيوبى، ويحظى بتمييز خاص بحكم سيطرة زعمائه على مقاليد السلطة الاتحادية لعدة عقود.
وحدث تغيير كبير فى عام 2018 بتفوق إقليم الأورومو وحصوله على الأغلبية البرلمانية باعتباره أكثر الأقاليم الإثيوبية سكانا وتولى آبى أحمد، المنتمى لعرقية الأورومو، رئاسة الحكومة الاتحادية ضمن ائتلاف حكومى من الأقاليم الإثيوبية، ومن ثم انتقلت قيادة السلطة فى إثيوبيا من عرقية إقليم التيجراى إلى عرقية إقليم الأورومو. وكانت بمثابة انتقالة بزاوية حادة بالنسبة لتيجراى خاصة عندما بدأ رئيس الوزراء آبى أحمد فى تطبيق برنامج الإصلاح السياسى والديمقراطى والتنمية ومحاسبة كل المسئولين السابقين سواء عن تجاوز سلطاتهم أو استغلالها، أو بسبب تهم الفساد الموجهة إليهم، ومعظم هؤلاء المسئولين من إقليم تيجراى، وهو ما أثار حالة مزدوجة من الغضب المكتوم فى إقليم تيجراى، أولا نتيجة فقدانهم الكثير من المزايا التى كانوا يحظون بها بحكم سيطرتهم على آليات اتخاذ القرار فى السلطة وتهم الفساد الموجهة إلى مسئولين من أبناء الإقليم الذين تقلدوا مناصب رفيعة من قبل السلطة الاتحادية، واعتبروا أن الهدف الحقيقى هو تصفيتهم من السلطة وإبعادهم ظلما.
***
وقد لقى برنامج رئيس الوزراء آبى أحمد لتحقيق التنمية والديمقراطية فى إثيوبيا، وتحقيق السلام مع أريتريا وإعادة العلاقات معها وفتح الحدود بين البلدين وتبادل المهاجرين واللاجئين ولإعادة لم شمل كثير من الأسر، قبولا أمريكيا ودوليا ونال به جائزة نوبل للسلام فى عام 2019 وهو ما دعم مركزه داخليا وإقليميا خاصة فى تسوية الاحتقان مع الجيران الآخرين فى السودان والصومال وجيبوتى وجنوب السودان، والقيام بدور إيجابى أثناء الثورة السودانية ضد حكم البشير بالتوفيق بين المجلس العسكرى وتجمع الحرية والتغيير السودانى. كل ذلك أدى إلى تدعيم صعود عرقية الأورومو وتراجع عناصر عرقية تيجراى وما يحمله فى طياته من نشوء حالة احتقان صامت.

وكان من المفترض إجراء الانتخابات العامة الإثيوبية فى نهاية ربيع 2020 وتأجلت إلى أغسطس ثم إلى أجل غير مسمى وهو ما أدى إلى أن يتخذ إقليم تيجراى قرارا بإجراء الانتخابات فى سبتمبر ٢٠٢٠ فى الإقليم فى تحد واضح للحكومة الاتحادية الإثيوبية التى اعتبرته خروجا على القانون من جانب الحركة الشعبية لتحرير تيجراى، واعتبرت أن الانتخابات باطلة ولا يعتد بها، بينما تمسكت الحركة بصحتها وصحة نتائجها، وهو ما أدى إلى أن أصدر برلمان الاتحاد الإثيوبى قرارا فى أكتوبر 2020 بقطع الإمدادات المالية عن حكومة إقليم تيجراى، وقد أثارت هذه الخطوة مزيدا من السخط والغضب لدى زعماء الإقليم وكثير من الشكوك فى نوايا الحكومة الاتحادية.
وقد أدى هجوم قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى على موقع القيادة العسكرية الاتحادية الشمالية فى الإقليم إلى اشتعال الأزمة، رغم أن الجبهة نفت أنها قامت بالهجوم واتهمت رئيس الوزراء آبى أحمد باختلاق هذه الرواية لتبرير قيام الجيش الاتحادى بشن حملة ضدها. ولكن من الواضح أن الجبهة استبقت تحرك الجيش الاتحادى بالاستيلاء على ما لدى هذه القاعدة العسكرية من أسلحة ومعدات عسكرية كبيرة تابعة للحكومة الاتحادية. وتتمتع الجبهة بوجود قوات متدربة على القتال لديها تقدر بنحو 250 ألف شخص إلى جانب المعدات والعتاد العسكرى.
***
أكد آبى أحمد منذ بداية الحملة العسكرية على إقليم تيجراى أن هدفها إعادة حكم القانون والنظام الدستورى وحماية حقوق الإثيوبيين فى العيش بسلام أينما كانوا فى إثيوبيا، وأن حكومته حاولت بصبر على مدى شهور حل الخلافات سلميا مع قادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، ولجأت إلى الوساطات والمصالحة والحوار، لكنها فشلت جميعها بسبب ما أسماه «العجرفة الإجرامية» وتعنت الجبهة. كما أوضحت وزارة الخارجية الإثيوبية أن الجبهة استفزت الحكومة الاتحادية، وأكدت أنه سيتم حل الأزمة سريعا، وأن كل ما يهم الحكومة الاتحادية هو أن يعم السلام والاستقرار إثيوبيا. وطالب عدد من أعضاء البرلمان الاتحادى الإثيوبى بتصنيف الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى بأنها إرهابية. كما قررت الحكومة الاتحادية الإثيوبية إغلاق المجال الجوى فوق إقليم تيجراى اعتبارا من يوم الخميس 5 نوفمبر وكثفت من ضرباتها الجوية ضد قوات الإقليم، وقطعت عنه الاتصالات التليفونية والانترنت وهو ما صعب متابعة أخبار الحملة العسكرية وأعداد الإصابات من القتلى والجرحى بين الجانبين.
ومن جانب آخر أدت العمليات العسكرية إلى لجوء الآلاف من سكان إقليم تيجراى عبر الحدود إلى السودان فى إقليمى كسلا والقضارف السودانيين، وهو ما جعل الحكومة السودانية تدعم قواتها على الحدود مع الإقليم تحسبا لأية تطورات. كما قامت بعثة من المفوضية الدولية لشئون اللاجئين بتفقد المنطقة على الحدود السودانية مع إقليم تيجراى الإثيوبى استعدادا لاستقبال مزيد من اللاجئين وإعداد المخيمات والإعاشة اللازمة لهم ومقومات الرعاية الصحية وغيرها.
***
تجدر الإشارة إلى ما قاله حاكم إقليم تيجراى، دبرصيون غبراميكائيل، أن قواته قد أحبطت خطة للقوات الاتحادية لاستخدام المدفعية والأسلحة المخزنة فى الإقليم لمهاجمتهم، وأنهم سيستخدمون المدفعية للدفاع عن تيجراى ولصد أى هجوم من أى اتجاه. وأكد رئيس الإقليم أنهم سيواصلون الدفاع عن أنفسهم إلى أن تقبل الحكومة الاتحادية التفاوض.
ولكن آبى أحمد اتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى بأنها تجهز لحرب مع القوات الاتحادية منذ عام 2018، وأنها استخدمت أموالا كانت مخصصة للتنمية لشراء أسلحة وتدريب ميليشيات. ولكنه لم يقدم أدلة على هذه الاتهامات ولم يعلق عليها بعد المسئولين فى الجبهة. وفى خطوة أخرى تصعيدية اتخذ برلمان الاتحاد الإثيوبى يوم 7 نوفمبر قرارا بتشكيل حكومة مؤقتة لإقليم تيجراى.
ومن الواضح أن هذه الأزمة كان لها تأثير على الحكومة الاتحادية حيث أصدر رئيس الوزراء آبى أحمد يوم 8 نوفمبر قرار بإقالة وزير الخارجية وتعيين آخر محله، وكذلك استبدال قائد الجيش الاتحادى، ورئيس المخابرات بآخرين محلهم.. فقد عين نائب رئيس الوزراء ديميكى تيكونين وزيرا للخارجية، وترقية نائب قائد الجيش بيرها توجولا ليصبح رئيسا للأركان وقائدا للجيش، وعين تيمسفين تيرونيه، الذى كان رئيسا لمنظمة الأمهرة، رئيسا جديدا للمخابرات. كما تم إلقاء القبض على ١٧ ضابطا فى الجيش الإثيوبى بتهمة التعاون مع قوات إقليم تيجراى. ويلاحظ أن قوات إقليم أمهرة المجاور لإقليم تيجراى تحارب مع القوات الاتحادية ضد قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى.
لقد استطاع آبى أحمد خلال فترة وجيزة بعد توليه السلطة فى عام 2018 أن يحقق السلام مع أريتريا ويعيد فتح الحدود والحصول على تسهيلات للتصدير والاستيراد لإثيوبيا فى الموانئ البحرية الأريترية، فهل يستطيع أن ينهى هذا التمرد فى إقليم تيجراى الإثيوبى والذى تحول إلى مواجهة مسلحة بين القوات الاتحادية الإثيوبية وقوات الإقليم؟ وهى ليست ضعيفة وليس من السهل السيطرة عليها فى وقت قصير، وهل سيقبل آبى أحمد فى نهاية المطاف عروض الوساطة بين الحكومة الاتحادية الإثيوبية وقوات إقليم تيجراى من أجل الإسراع بإنهاء الصراع قبل أن تتسع رقعته سواء داخل إثيوبيا أو تمتد للدول المجاورة لما هناك من رواسب عداء بين أريتريا وإقليم تيجراى، أم يتمسك آبى أحمد بأن المسألة كلها شأن داخلى وأن حكومته الاتحادية قادرة على تسويقها؟
الحقيقة أن الأزمة عميقة ولها أبعاد متعددة ومن ثم تحتاج إلى معالجة بالحوار والتراضى وليس بالمواجهة العسكرية والقتال التى إن استمرت ستؤدى إلى تداعيات كبيرة فى إثيوبيا ولدى جيرانها.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات