حرب الشوارع - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 4 مارس 2021 8:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

حرب الشوارع

نشر فى : الأحد 14 أكتوبر 2012 - 1:00 م | آخر تحديث : الأحد 14 أكتوبر 2012 - 1:00 م

ماذا لو أقمنا العرض فى فلوكة على النيل؟ هى مجرد فكرة قد تسمح للقائمين على أحد مهرجانات الرقص الحديث بأن يتم العرض فى الشارع كما كان من المقرر... دون أن يكون فى الشارع «تماما» فيتعرض للمعاكسات والمضايقات الأمنية التى لابد لها وأن تأتى ولو بعد حين، فعلى ما يبدو عودة الخدمات الشرطية ارتبطت فى أذهان المسئولين بمحو الجرافيتى من على الجدران من باب «الضبط والربط» ثم اعتذار الحكومة (لأنها جاءت فى أعقاب ثورة شارع)...

 

وكذلك بمنع الأنشطة الفنية فى الميادين والأماكن العامة سواء كان الأمر يتعلق بفرق سيرك جاءت إلى القاهرة من أنحاء العالم أو فرق مسرح مصرية قررت أن تنظم أول مهرجان لها فى الشوارع الخلفية للإسكندرية، ثم بعد مفاوضات وتدخلات من كبار رجال الدولة ومستشاريها يتم السماح أحيانا للفنانين بتقديم عرض أو اثنين فى الشارع على سبيل الاستثناء ولإنقاذ الموقف، دون أن يحسم أحد الموضوع بشكل نهائى... الشارع من حق من؟

 

●●●

 

الفضاء العام كان دائما أبدا أكثر الأماكن ارتباطا بحسن سير العملية الديمقراطية، والأحداث الأخيرة من ميادين التحرير العربية إلى وول ستريت وحركة 15 مايو الإسبانية، التى دعت جميعها إلى استعادة الحق فى الشارع، أكدت أن مجرد التواجد الجماعى والسلمى فى مكان عام لفترة ما هى حركة مقاومة، وأنه بوسعها الحشد لتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية وأن تحول اهتمامات ومخاوف البعض إلى مشكلات تحظى بدعم الكثيرين. لذا يبدو التحايل هو سيد الموقف... أو على الأقل هذا ما تفرضه معركة الشارع الدائرة حاليا بين سلطات الأمن التقليدية وبين مواطنين عاديين وفنانين فرحوا كثيرا عندما نجحوا فى النزول إلى الميادين والحوارى بعد سنوات من المنع، ويحاولون عدم التنازل عن هذا الحق مجددا دون استفزاز أحد.

 

فخلال الخمسة عشر يوما الأخيرة تقريبا كان التضييق من نصيب 3 كيانات ثقافية حاولت إقامة تظاهرات فنية فى أماكن عامة... ولم يعد الأمر يتوقف عند مرحلة الاستغراب أو عدم فهم الشرطى الموجود فى موقع الحدث لما يفعله هؤلاء فى الفضاء العام، فعلى مر أكثر من سنة ونصف السنة اعتاد منظمو الأنشطة على أسئلة من نوع «ماذا يفعل هؤلاء إلى جوار عمود النور؟» أو «ما الرسالة التى تريدون إيصالها؟»... ويأتى كل خمس دقائق شرطى ليتأكد من وجود تصريح ويمضى بعد طرح عدة أسئلة ثم يرحل مبتسما... فقط لأن وجود فنانين بالشارع فى مصر كان أمرا غير اعتيادى ولا حتى بالنسبة للجمهور الذى يعيد اكتشاف ملكيته للشارع وعلاقته بالفضاء العام واستباحته لمدينة دأبت على قهره فأراد أن يقهرها هو ويخرج لسانه للآخرين.

 

●●●

 

و بما أن حرب الشوارع ليست لها قواعد، فمن الصعب التكهن بنتائج المعركة أو تطورها، لكن ما نعرفه أنه منذ منتصف التسعينيات وتظاهرات ما يسمى بالشارع الحر تنتشر فى أرجاء العالم وتربط بين الفن والمجتمع، مثلا ظهرت فى البرتغال حركة (Maismenos) التى نفذت العديد من الجداريات اعتراضا على الاقتراض من صندوق النقد الدولى للتغلب على الأزمة الاقتصادية. أما فى روسيا فقد استخدم ائتلاف( Voïna) عروضهم الأدائية لشجب الفساد وتدنى حرية التعبير. وحاليا وطوال شهر أكتوبر تقام فى العديد من الدولة الأوروبية الدورة السادسة لمهرجان «أيام الشارع الحر»، فى فرنسا وألمانيا وسويسرا وجمهورية التشيك... حيث تتنوع الأنشطة الفنية لمدة يوم أو اثنين فى مدن مختلفة كمرسيليا وبرلين وأوسترافا، دون منع من قبل الجهات الأمنية، حتى لو لم يخصص لفنون الشارع قدر ضخم من الميزانية الثقافية لهذه الدول ( فبلد مثل فرنسا تخصص حوالى 10 ملايين يورو سنويا لفنون الشارع، أى ما يعادل 1.5% من الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة).

 

وعندما يتطور الأمر إلى صراع واضح مع الشرطة، كما حدث فى إقليم الكيبيك بكندا خلال الدورة الثانية لتظاهرة « طالب بشارعك» فقد حرر رجال المرور حوالى ثلاثين مخالفة لقادة الدراجات الذين حاولوا إعاقة حركة السير لإظهار تمردهم على احتكار العربات للشارع... وذلك على غرار ما فعله سبعة آلاف شخص فى لندن عام 1996 فى إطار حركة «طالب باسترداد الشارع»، الذين بدأوا فى طرح فكرة تمرد المواطنين على السيارات لإفساح الطريق أمام الأنشطة الفنية والكرنفالات.. لا نطالب بقطع الطريق، كما فعل هؤلاء الناشطون الذين يتبنون عادة خطابا سياسيا معاديا للرأسمالية، فقط أن يسمح للناس بقليل من المتعة حتى لا يصبح الشارع مجرد كابوس يطاردهم خلال ساعات النوم من فرط الزحام والعنف. منذ شهور كان البعض يقول مازحا كلما ضاق به الحال «إن للشارع وإن إليه راجعون»، لكن يبدو أنه لن يجد حتى الشارع كملاذ آمن.. سينتهى به الأمر مختبئا داخل قارب صغير.. حالما، فى انتظار الحصول على موافقة أمنية، بينما تتصاعد أسهم الانتهازيين ويخرج المتهمون فى أحداث الثورة واحدا تلو الآخر.

 

التعليقات