معوقات الفعالية.. هل يتوسع الدور الألمانى فى الأزمة الليبية؟ - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 5 أغسطس 2020 1:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

معوقات الفعالية.. هل يتوسع الدور الألمانى فى الأزمة الليبية؟

نشر فى : الثلاثاء 14 يوليه 2020 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليه 2020 - 8:30 م

نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالا للكاتب باسم راشد... نعرض منه ما يلى:.
يُعوِل كثيرون على دور ألمانيا فى حل الصراع المتأزم فى ليبيا، وينبع ذلك من سعى ألمانيا لتوحيد الموقف الأوروبى، وتقديمها مبادرات سياسية لحل الأزمة مثل مؤتمر برلين، بيد أن غياب الاستجابة الفعَالة للجهود الألمانية، دفع بعض الأصوات الألمانية والأوروبية إلى دعوة ألمانيا للتدخل العسكرى فى ليبيا فى إطار مهمة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبى؛ وهو ما قُوبل بموجة رفض داخلية، لكنه ــ فى الوقت ذاته ــ يدفع للتفكير فى فرص وتحديات توسع الدور الألمانى فى ليبيا، وحدود فعاليتها فى ضوء تطورات الصراع ومآلاته المحتملة.

طبيعة الدور الألمانى
يرتكز الدور الألمانى فى التعامل مع الأزمة الليبية منذ اندلاعها وتزايد الأطراف المنخرطة فيها على ضرورة وقف إطلاق النار، واستبعاد الحل العسكرى للصراع، والدفع نحو إيجاد حل سياسى جذرى للأزمة عبر وضع جميع الأطراف المتحاربة وداعميهم من الخارج على طاولة المفاوضات.
ومن واقع هذه الرؤية؛ تلعب ألمانيا دورا مزدوجا تكامليا؛ الدور الأول داخل أوروبا، حيث تعمل ألمانيا على تقريب وجهات النظر بين الدول الأوروبية الأكثر ارتباطا بالملف الليبى وبالتحديد إيطاليا وفرنسا، بهدف توحيد الموقف الأوروبى تجاه الأزمة، وتقويض مزيد من التنافس الأوروبى ــ الأوروبى داخل ليبيا.
وقد نجحت ألمانيا نسبيا فى هذا الدور، وهو ما انعكس فى البيانات التوافقية المشتركة التى تصدرها الدول الثلاث تباعا بشأن تطورات الصراع، بيد أن هذا التوافق ربما يكون لحظيا نظرا لوجود أعداء مشتركين فى ليبيا هما روسيا وتركيا، لكنه لا يعبر بالضرورة عن توافق فى المصالح أو النفوذ الفعلى.
أما الدور الثانى فيتمثل فى طرح بعض المبادرات السياسية لحل الأزمة؛ كان من أبرزها مؤتمر برلين والذى أسفر عن التزام الأطراف المعنية بإنهاء التدخل الأجنبى، ودعم حظر الأسلحة الذى تفرضه الأمم المتحدة، وتجنب أى تصعيد إضافى فى المنطقة، كما تعهد الاتحاد الأوروبى بأن يساعد بكل قوته فى تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين على الأرض.
إضافة إلى ذلك، مثَل مؤتمر ميونخ للأمن استكمالا للجهود الدولية لإنهاء التدخلات الأجنبية فى ليبيا، ونتائج مؤتمر برلين. وقد كانت القوى الخارجية حاضرة فى المؤتمر، فيما غابت عنه أطراف الصراع فى ليبيا.
برغم هذه المبادرات الطموحة، إلا أنها لم تُغيِر شيئا على أرض الواقع، ولم تؤدِ إلى النتائج المرجوة؛ حيث لم تلتزم الأطراف المتصارعة بنتائجها وقراراتها نظرا لكونها لم تحمل صفة الإلزامية.

دوافع توسع «برلين»
تدفع ألمانيا مجموعة من العوامل لتوسيع دورها وحضورها فى المشهد السياسى الليبى عبر آليات مختلفة، ويمكن إبراز هذه العوامل على النحو التالى..
النفوذ الروسى والتركى: فنظرا لأهميتها الاستراتيجية تعد ليبيا ورقة رابحة لروسيا لمحاصرة أوروبا. ومن ثم إذا كرَست روسيا نفوذها فى ليبيا كضامن للاستقرار فسيرفع ذلك من شأن روسيا فى أية مفاوضات مستقبلية مع الاتحاد الأوروبى.
بالإضافة إلى ذلك، لدى روسيا رغبة كبيرة فى تأسيس قاعدة عسكرية لها فى ليبيا، تُضاف إلى قاعدتى حميميم وطرطوس فى سوريا، بما يجعلها منافسا خطيرا لحلف الناتو فى المتوسط، ويُهدد أمن أوروبا، أو على الأقل يمثل ورقة ضغط عليهم تقوِض خياراتهم أمام روسيا.
من ناحية أخرى، تتخوف ألمانيا من تمدد تركيا فى البحر المتوسط عبر تعزيز نفوذها فى ليبيا بما يعطيها الفرصة لمواصلة تهديداتها للدول الأوروبية ومصادر الطاقة فى المنطقة.
تهديدات الأمن القومى: وبالتحديد تزايد تدفق المهاجرين واللاجئين من ليبيا وما قد يستتبعه من دخول الإرهابيين لأوروبا؛ خاصة أن ألمانيا تعد المقصد الأساسى لمعظم راكبى البحر من شمال إفريقيا ودول جنوب الصحراء الكبرى، فضلا عن استغلال الجماعات الإرهابية حالة الفوضى الناتجة عن استمرار الصراع للتحرك صوب أوروبا والاندساس بين اللاجئين وتهديد الأمن الأوروبى.
تصاعد الانقسام الأوروبى: فليس من شك فى أن استمرار الصراع فى ليبيا قد يؤدى إلى تزايد الانقسام فى المواقف بين إيطاليا وفرنسا تحديدا، خاصة مع تباين وتعارض مصالح الدولتين فى ليبيا، لا سيما المصالح النفطية بين شركتى «إينى» و«توتال».
لذلك تسعى ألمانيا إلى إيجاد حل سياسى حاسم للصراع تجنبا لدخول الدول الأوروبية فى نزاع على النفوذ والمصالح فى ليبيا، والذى من شأنه أن يزيد من انقسام الاتحاد الأوروبى، يُضاف إلى ذلك أن قدرة ألمانيا على صياغة موقف موحد ومشترك تجاه الأزمة الليبية من شأنه استعادة النفوذ الأوروبى المفقود والدور المحورى لها فى ليبيا.

احتمالية التدخل العسكرى
نظرا لفشل المبادرات السياسية التى طرحتها ألمانيا لحل الأزمة، نادت بعض الأصوات الداخلية فى ألمانيا بضرورة التفكير فى التدخل العسكرى فى ليبيا حفاظا على الأمن القومى. بيد أن هذا الاقتراح لم يجد صدى إيجابيا فى الداخل الألمانى؛ إذ قُوبل بمعارضة من الأحزاب الألمانية الرئيسية والتى أجمعت على ضرورة دعم جهود الوساطة الدبلوماسية التى يقوم بها وزير الخارجية الألمانى «هايكو ماس» لحل النزاع فى ليبيا.

آليات التمدد
برغم أن ألمانيا تواجه وضعا حرجا فى ليبيا، فى ظل عدم التزام الأطراف المتحاربة بمخرجات مؤتمر برلين، فضلا عن تنامى النفوذ التركى والروسى فى ليبيا، ومع غياب احتمالية التدخل العسكرى الألمانى على خط الصراع؛ إلا أن دعم المسار السياسى لحل الأزمة يظل هو المخرج الأفضل والآمن لحماية الأمن الأوروبى، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فى ليبيا.
فى هذا الإطار، ما زالت هناك فرصة أمام ألمانيا لتوسيع دورها فى الأزمة الليبية؛ وذلك عبر مسار متكامل يبدأ من توحيد الموقف الأوروبى تجاه الملف الليبى، والذى من شأنه أن يُعزز دور الاتحاد الأوروبى فى ليبيا، خاصة أنه الجهة الأكثر دعما للانتقال السياسى الديمقراطى، على عكس الأطراف الأخرى، بالتحديد روسيا وتركيا، والتى تنجح أكثر فى دعم مغذيات الصراع والاستفادة منه.
بالتزامن مع ذلك، تستمر ألمانيا فى قيادة الاتحاد الأوروبى لدعم مهمة «إيرينى» التى تم إطلاقها فى مايو الماضى، لمراقبة حظر انتقال السلاح إلى ليبيا عبر البحر المتوسط، خاصة بعد انتهاك الأطراف الخارجية الداعمة للصراع للقرار الأممى بحظر الأسلحة إلى ليبيا.
ويُستكمل هذا المسار باستمرار قيادة ألمانيا للجهود الدبلوماسية الأوروبية عبر دفع الاتحاد الأوروبى ككتلة كبرى ذات ثقل، ربما بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، لتبنى مبادرة مكملة لمؤتمر برلين لوضع أسس الحل السياسى للأزمة الليبية وفقا للمعطيات الأخيرة وتطورات الصراع على الأرض، على أن تتلافى المبادرة الجديدة نقاط ضعف مؤتمر برلين؛ بحيث تتضمن تعهدات ملزمة من جميع الأطراف لتنفيذ مخرجاتها السياسية وحل النزاع بشكل سلمى.
وتجدر الإشارة إلى أنه لدى ألمانيا ما يؤهلها بقوة للقيام بهذا الدور عن أى قوة دولية أخرى؛ فليس لها تاريخ استعمارى فى المنطقة مثل إيطاليا وفرنسا، وهى الدولة الأوروبية الأكثر قدرة على تمويل عملية سياسية فى ليبيا، كما أنها تقف تقريبا على مسافة واحدة من أطراف الصراع الرئيسيين، بما يعطيها حيادية ومصداقية فى تحركاتها لحل الأزمة.
يُضاف إلى ذلك خبرتها السابقة فى حل النزاعات؛ إذ نجحت ألمانيا فى الجمع بين الفرقاء الأفغان عام 2001 فيما عُرف بـ«مؤتمر بون»، الذى تم خلاله التوقيع على «اتفاقية بون» وتشكيل المجلس المعروف بــ«اللويا جيرجا»، الذى وضع الدستور الأفغانى الحالى، ثم بعدها تشكلت أول حكومة أفغانية.
ختاما، يظل هذا المسار الألمانى التكاملى مرهونا بعدة أمور؛ أولا قدرتها على توحيد الموقف الأوروبى من الأساس، وثانيا حدود استجابة الأطراف الفاعلة فى الأزمة الليبية لهذا المسار، وثالثا القدرة على تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع فى ضوء تباين المصالح وتعدد الأطراف الخارجية المنخرطة فى الصراع الليبى. ومن ثم فبرغم إمكانية توسع الدور الألمانى فى التأثير فى تطورات الملف الليبى، إلا أن جميع العوامل السابقة قد تعوق فعالية قيام ألمانيا بهذا الدور، فى ضوء محدودية تأثيرها الحالى فى الأزمة الليبية.
النص الأصلي
https://bit.ly/3iUx0HE

التعليقات