«من 30 سنة».. لعبة القتل ولعنة الثروة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الجمعة 15 نوفمبر 2019 12:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«من 30 سنة».. لعبة القتل ولعنة الثروة!

نشر فى : الخميس 14 يوليه 2016 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 14 يوليه 2016 - 9:35 م
تقول حكاية معروفة إن البلاسير؛ أى عامل السينما الذى يُجلس المتفرجين على مقاعدهم، أراد أن يفسد مشاهدة رجل لم يمنحه بقشيشا مناسبا، فقال له قبل عرض الفيلم: «على فكرة يا أستاذ.. الطباخ هوه القاتل!».

تُذكر الحكاية عادة فى إطار الحديث عن الأفلام التى يمكن اختزالها فى سر أو معلومة، وهى فى الغالب أفلام بوليسية وتشويقية، وعلى الرغم من أن فيلم العيد «من 30 سنة» يُبنى بأكمله على سرّ أو معلومة، وعلى الرغم من أن حبكته بوليسية، وعلى الرغم من وجود عدد معتبر من القتلى فى الفيلم، فإنه فيلم لا تحرقه معرفة سره الأكبر، ذلك أن فيه الكثير مما يستحق المشاهدة والتأمل: هناك سيناريو متماسك كتبه أيمن بهجت قمر، لولا طول المشاهد والحوار، وهناك شخصيات أجاد رسم معالمها، واجتهد الممثلون فى أدائها، وهناك عناصر فنية وتقنية، ستنافس على ألقاب الأفضل فى موسم 2016، وهناك قبل كل ذلك فكرة جيدة تربط بين لعبة القتل، ولعنة الثروة، اللعبة هى الأساس، ولكنها مرتبطة بكون الثروة السهلة قد تكون لعنة مدمرة، هنا خط اجتماعى خافت ولكنه محسوس، فالثروة التى كوّنها الجد العصامى القادم من المنيا (القدير جميل برسوم)، أضاعها الأبناء والأحفاد، فانتقلت فى النهاية إلى أسرة أخرى، تعرف الحب والتماسك، وتستحق المال، ولعلها ستكون مستقبلا، فى موضع اختبار لعنة الثروة من جديد.

الخط المحورى الذى يقوم على لعنة ستؤدى إلى قتل متسلسل لأفراد أسرة واحدة بسبب الثروة، يصلح بامتياز كمادة لفيلم رعب دموى، ولكن المعالجة لم تستغرق فى هذا المسار، فعلى الرغم من كثرة عدد القتلى فى الفيلم، وعلى الرغم من وجود بعض لحظات الصراع والخوف، فإننا كنا نشعر طوال الوقت أننا أمام «لعبة»، وأن هناك من يحرك الخيوط، ويدير المعركة بالريموت الذى لا نراه، نجحت المعالجة فى أن تثير التساؤل، قبل أن تسرف فى التخويف والعنف، وبدا أحيانا أننا أمام رواية نُقلت إلى الشاشة، حيث نسمع منذ البداية صوت بطل القصة، وهو يكتب قصة عائلته، ونجحت بعض المواقف الكوميدية والعاطفية فى التخفيف كثيرا من التناول الخشن، لفكرة تصلح بالدرجة الأولى لفيلم من أفلام الرعب.

لولا طول المشاهد والحوارات، والوقت الطويل الذى استغرقه عرض الشخصيات الكثيرة فى بداية الفيلم، لكان البناء أكثر ضبطا وإحكاما، ولكن السيناريو نجح إلى حد كبير فى تقديم شخصياته الثلاث المحورية: عماد (أحمد السقا) ابن العائلة الثرية الذى يقيم فى بنسيون صغير فى إحدى بنايات ميدان طلعت حرب، نعرف أنه يؤلف رواية جديدة، وعمر (شريف منير) ابن نفس العائلة الذى يعود من الخارج، معلنا حصوله على ثروة هائلة، ورثها عن مليونير بريطانى تركها لعمر نظير خدماته، ويريد عمر أن يوزعها على أبناء العائلة؛ لأنه لا ينجب، ثم حنان البغدادى (المدهشة منى زكى) الشاعرة السكندرية التى يتعرف عليها عماد، ثم يكتشفها عمر، وستصبح حنان أحد مفاتيح القصة الأساسية.

ينجح السيناريو أيضا فى الربط بين المال واللعنة بنبوءتين: الأولى نقلها عمر عن المليونير البريطانى الذى وصلت ثروته فى النهاية لغير أسرته، والثانية من خلال رجل مجذوب (محمود البزاوى)، يقول لعمر أكثر من مرة إنه سيقتل تسعة أفراد، وسيتحقق ذلك فعلا بموت أفراد العائلة واحدا تلو الآخر، وكان مفترضا أن يرثوا عمر القادم بالثروة الضخمة، أراد أن يقسمها فيما بينهم بالعدل، مثلما فعل الجد الصعيدى، ولكنهم سرعان ما يرثون بعضهم البعض، يموتون واحدا تلو الآخر فى ظروف غريبة، مما يؤكد فكرة الثروة الملعونة.

نجاح آخر حققه السيناريو وهو رسم معالم أفراد العائلة بصورة معقولة رغم كثرتهم، وتخصيص قصة موت مختلفة لكل منهم، كلهم يعيشون حياة مضطربة رغم المظهر البراق: نبيلة العجوز (رجاء الجداوى) التى تعانى من ألزهايمر، ونجوى المتصابية (ميرفت أمين) التى تُخطب إلى صديق ابنها، والابن هانى (نبيل عيسى) مدمن المخدرات، ورشا (نور) الانتهازية التى تريد أن تتزوج من عمر بسبب أمواله، بعد أن رفضته وهو فقير، وحسن (صلاح عبدالله) تاجر السلاح الذى أصر على زواج ابنته نهى (جميلة عوض) من رجل أكبر منها سنا، وابنه سليم (محمد مهران) الذى عاش صدمة خيانة زوجته له مع زوج شقيقته العجوز، وجمال (أحمد فؤاد سليم) الذى لا يعنيه سوى توسيع تجارته، بفتح متجرين جديدين للأسلحة، بالأموال التى سيأتى بها عمر.

كل الشخصيات السابقة ستموت فى ظروف غامضة، لم يكونوا أصلا فى حاجة إلى مال عمر، ولكنه الجشع، والرغبة فى المزيد من الثروة، على الرغم من علمهم مسبقا أنها ملعونة، ومع كل موت، يزيد شعور عمر بالذنب، ويزيد شعور عماد بالدهشة، ويزيد شعور حنان بالفضول. كان يمكن أن يصبح الفيلم قاتما للغاية، ولكن البهجة التى نثرتها منى زكى فى دور شاعرة مدعية ولكنها طيبة، وبداية علاقة الحب بينها وبين عماد، الزاهد فى المال، وقاطن بنسيون حورس، خففتا كثيرا من الموت المتسلسل، عدنا إلى فكرة اللعبة، بل والحكاية القادمة من رواية تُكتب أمامنا، إذ يسرد صوت عماد بالفصحى بعض التفاصيل والمشاعر، لم يفارقنا الشعور أننا أمام لعبة، وأن اهتمامنا الأكبر هو أن نعرف من يدير اللعبة؟ ولماذا فعل ذلك؟ وهو ما سيجيب عنه الفيلم فى مشاهد النهاية، التى تعتبر الأفضل والأكثر إتقانا.

أجاد عمرو عرفة اختيار ممثليه وتوجيههم: أحمد السقا الذى ساهم بجديته فى ضبط اللعبة كلها، ولو انطلق إلى أداء هزلى كما فى «ابن القنصل» لانهار البناء بأكمله، وشريف منير الذى قدم أداء مقنعا وقويا، ومنى زكى التى قدّمت أحد أفضل وأجمل أدوراها، ما بين بداية مرحة، ونهاية مؤثرة، وميرفت أمين فى دور صعب متلون أدته بحضور وبراعة، ومحمد مهران فى شخصية مضطربة وملوثة قدمها بتمكن.

كان الفيلم فى حاجة مُلحّة لتكثيف الحوار والمشاهد، إن لم يكن فى مرحلة الكتابة، ففى مرحلة المونتاج، خاصة مع وجود مونتير «فاهم» مثل معتز الكاتب، صورة وائل درويش اللامعة والمعبرة عن مجتمع ثرى ونظيف من الخارج فقط، والموسيقى التصويرية (فاهير أتاكوجلو)، وديكور محمد أمين، وملابس مونيا فتح الباب، كلها أيضا من عناصر التميز الفنى، وكلها عناصر ستنافس على لقب الأفضل.

إذا كنت تنتظر مِنِّى أن أكشف لك عن السر وراء تلك اللعنة، أو عن اللغز خلف تلك الحوادث، فلن أفعل بالطبع؛ لأننى أكره أن أقوم بدور البلاسير الذى أفسد متعة المشاهدة على المتفرج، ولكنى أؤكد لك أنك حتى لو عرفت السر واللغز، فستجد الكثير لتشاهده، يكفى أن تتأمل حال أهل الثروة والجشع، بعد 30 سنة من وراثة الجد المكافح.
التعليقات