إلى من سيكون رئيسًا للجمهورية: مصر ستنهض.. إذن؟ - محمود الخفيف - بوابة الشروق
السبت 26 سبتمبر 2020 6:15 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

إلى من سيكون رئيسًا للجمهورية: مصر ستنهض.. إذن؟

نشر فى : السبت 14 أبريل 2012 - 8:25 ص | آخر تحديث : السبت 14 أبريل 2012 - 8:25 ص

فى المائتى سنة الماضية شهدت مصر أربع نهضات كبرى حيث ارتقت من التخلف إلى مستويات تضاهى تطور العالم، بمعدل نهضة كل 50 سنة بالضبط وبالميعاد. وهذا يعنى أن مصر الآن على الموعد مع نهضتها الجديدة، والتى يجب أن تخرجها بلا رجعة من التبعية والذيلية للغرب إلى موقعها الريادى الشاغر فى أمتها العربية والإسلامية وفى قارتها الأفريقية. ولكن ماذا علمنا التاريخ؟ ولماذا رغم جهود الشعب المصرى المضنية لم تكتمل النهضات الأربع السابقة؟

 

النهضة الأولى كانت بالضبط فى بدايات القرن الـ19 مع تنصيب محمد على على سدة حكم مصر، حيث استطاع الشعب المصرى بسواعده فقط، دون «دعم دولى» و«دول مانحة» أو حتى قروض، وتحت قيادة ورؤية محمد على أن ينقل مصر فى اقل من عشرين سنة من بلد خارج من غزو فرنسى وحكم مملوكى متخلف إلى دولة عربية عظمى تمتد من أقصى جنوب السودان إلى شمال بلاد الشام وإلى الحجاز واليمن شرقا. ولقد استطاع شعب مصر من جمع قواه وبناء تراكم رأسمالى نقل مصر من بلد غاية فى التخلف إلى بلد به صناعة سلاح وسفن وزراعة حديثة وقناطر وترع، بلد من أربعة ونصف مليون نفس يمد جيش قوامه 150000 جندى. ولما وجد الغرب الاستعمارى تحديا حقيقيا لأطماعه تحالف اكبر ثلاثة أساطيل فى العالم فى ذاك الوقت لكسر وهزيمة أسطول وجيش مصر. وفرضوا على مصر تخفيض جيشها إلى 15000 فقط ووضعوا السياسات لتفكيك التراكم الرأسمالى ــ التنموى والقاعدة الإنتاجية (صناعة وزراعة) المصرية وإرجاع مصر مرة أخرى لحظيرة التخلف.

 

 النهضة الثانية كانت فى بدايات النصف الثانى من القرن الـ 19 مع وصول إسماعيل للحكم ثم الثورة العرابية، حيث حفرت قناة السويس وبنيت القاهرة الجديدة وشيدت المزيد من القناطر وحفرت المزيد من الترع وبدأت الإصلاحات الدستورية والنيابية. تآمر الغرب الاستعمارى مرة ثانية لإغراق مصر بالديون للتحكم فى سياستها وقدرتها الاقتصادية. ولما وجدت أوروبا الاستعمارية أن ثورة الزعيم عرابى يمكن أن تنقذ مصر من قبضتهم وتنقل مصر بشكل حقيقى للتطور والتقدم، لجأ الغرب مرة أخرى إلى التدخل العسكرى المباشر وتحالفت فرنسا مع بريطانيا لهزيمة جيش عرابى واحتلال مصر بالكامل فى عام 1882. مرة أخرى قامت انجلترا على تصفية التراكم الرأسمالى ــ التنموى وتفكيك القاعدة الإنتاجية المصرية والاستيلاء عليها وعلى قناة السويس وسلب ثروات مصر إلى انجلترا وأوروبا لمنع أى تراكم رأسمالى جديد.

 

 ولكن الشعب المصرى لم ييأس حتى تحت الاحتلال الانجليزى، فالنهضة الثالثة كانت مع ثورة 1919 وبالقيادة السياسية لسعد زغلول والقيادة الاقتصادية لطلعت حرب، الذى أنشأ بنك مصر وعشرات من الشركات المصرية 100% لصناعات ثقيلة وغزل ونسيج وكيماويات وتكرير بترول وصناعة سينما وطيران وسياحة وتأمين... الخ. ومرة أخرى ومصر تحت استعمار عسكرى مباشر قام الغرب تحت ريادة انجلترا بالهجوم الاقتصادى على بنك مصر واجبروا طلعت حرب على التنحى عن مركز رئيس مجلس إدارة البنك وسيطروا هم وعملاؤهم مرة أخرى على مقدرات مصر الصناعية والزراعية والاقتصادية، ومن جديد عملوا على تفكيك القاعدة الإنتاجية والتراكم الرأسمالى ــ التنموى الذى بناه شعب مصر بسواعده البسيطة فى خلال 15 عاما فقط، ولكن هذه المرة لم يكن الغرب الاستعمارى فى حاجة للتدخل العسكرى المباشر حيث إن مصر كانت تحت الاحتلال.

 

 النهضة الرابعة وكانت مرة أخرى بالضبط فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين تحت قيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر. فعلى الرغم من العدوان الثلالثى (انجلترا وفرنسا وإسرائيل) الغادر فى عام 1956 وقاعدة إنتاجية مهلهلة، ففى اقل من 15 سنة استطاع المصريون تأميم واسترداد قناة السويس وبناء السد العالى وقطاع صناعى يضاهى التطور العالمى ونقل القطاع الزراعى نقلة نوعية وإصلاح ما يزيد على المليون فدان وإنشاء وتطوير أكثر من 314 شركة عامة فى جميع المجالات. مرة أخرى ومن جديد وبدون كلل أو ملل استطاع المصريون إعادة بناء بلدهم وعمل تراكم رأسمالى مذهل قادر على نقل البلد، بل الوطن العربى كله، نقلة نوعية. وهذه المرة أيضا يتدخل الغرب تدخلا عسكريا مباشرا فى حرب 1967 بتفعيل الدور الإسرائيلى فى المنطقة والذى قامت من أجله إسرائيل. وبعد ذلك بدأ ما يسمى بالنظام «العالمى الجديد»، تحت قيادة جديدة للغرب، الهجوم الاقتصادى من خلال تفكيك القاعدة الإنتاجية (الزراعة قبل الصناعة) المصرية وشراء أصول مصر عن طريق برامج يطلق عليها «اصلاح» و«خصخصة» و«تغيير هيكلى» فى إطار سياسة موضوعة من قبل الصندوق والبنك الدوليين.

 

●●●

 

 يا الله ياله من شعب عنيد ومثابر ومكافح، شعب على العكس تماما مما يشاع عنه من كسل ولا مبالاة، شعب محب للعدل والحرية والعمل والتطور والحياة. فكم شعبا من شعوب الدنيا، وفى مواجهة مثل هذه التحديات المتكررة وهذا الاستهداف غير المهادن، يستطيع أن يقوم بعد كل كبوة من جديد وهو أكثر تصميم وإرادة دون كلل أو ملل.

 

النهضة الخامسة إذن هى آتية لا محالة فى موعدها فى بداية القرن الـ21، نعم إن مصر على موعد مع التاريخ فى الخمسينية الخامسة، نعم مصر تستطيع أن تعيد بناء نفسها من قاعدة إنتاجية وعلمية وثقافية مهلهلة تركها نظام مبارك العميل والتابع والفاسد. مصر حضارة وتاريخ البشرية غير المنقطع قادرة بسواعد شعبها على إعادة البناء والتنمية وإحداث التراكم الرأسمالى اللازم لنقل مصر إلى دورها ومركزها وقدرها فى وطنها العربى والإسلامى والإفريقى بل فى العالم أجمع.

 

ولكن المهم، وقبل أى شىء، الحذر كل الحذر من التبعية للغرب والاستعمار الجديد القديم وعملائه واستهدافه لمصر وشعبها ومقدراتها ودورها الريادى العربى، لأن أهداف الاستعمار، فى ثوبه الجديد، لم تتغير وأطماعه لن تنتهى. وفى نفس الوقت الذى تواجه فيه مصر تلك التحديات، يجب تحديد وبوضوح رؤية للمستقبل وأين يريد الشعب المصرى ان يكون بعد خمس وعشر سنوات من الآن، ويجب التصميم على تحقيق هذه الرؤية رغم انف الطامعين ومؤامراتهم.

 

وعليه يا من تريد أن تكون رئيسا لمصر: أين أنت من هذا الواقع والتاريخ المتكرر؟ فأنا لا اعرف إلا اثنين من مرشحى الرئاسة (واحد من التيار القومى والآخر من التيار الإسلامى) لهما مواجهات مع الرئيس السابق السادات ولهما تاريخ وموقف واضح من هذا الأمر. ولكن ما هو موقف باقى المرشحين، فعلى كل مرشح أن يعلن وبوضوح ما هو موقفه من الغرب واستهدافه لمصر وشعبها، وماذا سيفعل لكسر تبعية مصر وتحقيق إرادتها لوضعها على مسار النهضة الخامسة دون انكسار أو تراجع؟.

 

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس له علاقة بالمؤسسة التى يعمل بها.

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات