الإثنين 20 مايو 2019 10:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

«مدينة الحوائط اللا نهائية».. ذاكرة بألوان الخيال!

نشر فى : الخميس 14 مارس 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 14 مارس 2019 - 10:10 م

يعودُ طارق إمام فى «مدينة الحوائط اللانهائية» إلى الحكايات البسيطة ليتأمل، بعمق، حياةَ الإنسان ومصيره، علاقته بالموت والخلود، وتأرجحه بين الذاكرة والحاضر والمستقبل، ما يبنيه الحب يدمره الشر، وما تجمعه الهمة تأخذه الزوابع، ثم إنَ شيئا لم يتغير: هذا الكائن الذى يعيش وسط الآخرين، ولا يستغنى عنهم، ما زال بائسَ الوحدة، ورفيقَ الخطر، وتائهَ الخطوات، وما زال عالمه يقدم له من الألغاز، أضعاف ما يمنحه من الحقائق والإجابات.
هذه المغامرة السردية المدهشة، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، والمرصعة برسوم وكولاج صلاح المر، التى لا تقل خيالا عن نصوصها، تتجاوز، فى رأيى، تصنيفها كمتتالية سردية، يقوم فيها إمام بتعريفنا بما بلغه من حكايات عن نساء مدينة الحوائط اللا نهائية، وعن رجالها، وغربائها، وهؤلاء الغرباء ليسوا إلا أشباح ضحايا الماضى، المدفونين بدمائهم، فالطموح هنا يتجاوز الشكل إلى صناعة تاريخ موازٍ للإنسان، مادتُه الخيال، والحواديت فى صورتها الأولى، مما يمكن الكاتب من أن يوسع دائرة الرؤية كثيرا، ومن أن يتحرر من منطق لم يُفلح فى أن يجعل حياتنا معقولة، ولم ينجح فى حل مشكلاتنا الوجودية.
المدينة والحكايات التى تذكرنا بعالم «ألف ليلة وليلة»، لا تجعل من الخيال هدفا، رغم أنه باذخ وطازج وملهم، ولكنها تحلق به لكى نعيد تأمل المفاهيم التى تحكم حياتنا، وأولها مفهوم التاريخ. حضور المدينة الخيالية، وما جرى لأهلها، ونجاح السارد فى ترويض المعجزات، وجعلها حقائق مكتوبة، كل ذلك يضرب فكرة التاريخ الوحيد للإنسان فى مقتل، وعندما ينهى طارق إمام رحلته بالحكاية التى لم يكتبها بعد، عن ذلك العجوز الذى صنع تاريخا كاذبا صدقه الناس، ندرك أنه يسخر من فكرة «الحقيقة التاريخية المطلقة»، ونسترجع معه قانون هذه السردية الماكرة وهو: «الفارق الوحيد بين ما حدث وما لم يحدث قط، هو الطريقة التى يمكن بها أن يتحول إلى حقيقة عندما يُحكى».
اللعبة هنا هى أن تتحدى ذاكرة الفن ذاكرة التاريخ، وأن تعيد تركيب المهزلة الإنسانية من جديد، إنها زاوية رؤية مختلفة وصادمة، يتخلى البشر فيها عن أسمائهم، ويُعرفون فقط بصفاتهم، حضور السنوات والأعوام منعدم، نبدو أحيانا كما لو كنا فى عصر بدائى، لا ينقصه إلا تجوال الديناصورات، وفى حكايات أخرى نستنتج زمنا أكثر تحضرا، يسمح بوجود ماكينة لصنع الأحذية، وبينما يبدو التاريخ بدون خيال، أو هكذا يزعمون، فإن السماء والبحار والأرض حافلة فى الحكايات بالمخلوقات الأخرى، بل إن المدينة نفسها هى أرض المعجزات، ولكن المشكلة فى أهلها، الذين لا يريدون إلا الهواء المجانى، والحوائط الآمنة.
تتيح العودة إلى الحكايات فى صورتها البسيطة تكثيف المعانى، والتخلص من أى حشوات سردية زائدة، وحرية غير عادية فى انتقالات الزمان والمكان، وترجمة الأفكار إلى عبارات تدعو للتأمل من طراز: «وهكذا عرفنا أن الجمال لا يكتمل دون قدر من الرعب»، و«عذاب الإنسان يبدأ حين يسأل عما لا يجب أن يعرفه»، و«الحياة الحقيقية لا تنتهى فى التراب بل تبدأ»، و«كل فكرة إذا صدقها أكثر من شخص تصبح قادرة على التجسد»، «وجودك بلا معنى إن لم يره الآخرون»، «المعجزات هى الحقيقة الوحيدة القابلة للتصديق».
فليعوض الخيال والفن ما أفسده التاريخ، ولنلعب لعبة المعجزة الجديرة بالتصديق، لنتجه مباشرة إلى أصل المأساة: فشلنا فى أن نجعل مدينتنا بيتا واحدا، فعدنا من جديد إلى مدينة كالمتاهة، حوائطها تعزل كل فرد عن أخيه، ولكن لا توجد أسقف ولا أبواب، وحدة على الأرض، وعرى كامل فى نفس الوقت، لعنة الدم تطارد الأحفاد، والأشباح عادوا كغرباء لا يحملون إلا المتاعب، والإنسان المثير للرثاء يتعلق بالذاكرة، فإن لم يجدها يخترعها، لديه خلود أرضى آخر هو الحب، لا ينجح دائما، فتبدو فكرة الخلود كوهمٍ قاسٍ، سراب فى المدينة وخارجها.
هذا نصٌ بديعٌ يجعل الخيال ملكا، لكى نفهم لماذا لم يعد الإنسان ملكا.

التعليقات