«الغرق».. سيرة قرية وحكاية وطن! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 4:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«الغرق».. سيرة قرية وحكاية وطن!

نشر فى : الخميس 14 فبراير 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الخميس 14 فبراير 2019 - 11:55 م

سحر هذه الرواية الفاتنة فى قوة نماذجها الإنسانية، وفى هذا المزيج المعقد بين الملهاة والمأساة، وبين جريان النيل وجريان الزمن، فى خصوصية القرية التى تنفتح ذاكرتها مثلما تنفتح جروحها، وفى عمومية المعنى والحال، فكأن قرية «حجر نارتى» تلخص حالات قرى أخرى لا حصر لها، وتستحضر صورة وطن فى لحظة تاريخية ماضية، لتقول أشياء عن صورة وطن «هنا والآن».
لا شك عندى فى أن رواية «الغرق.. حكايات القهر والونس» للروائى السودانى حمور زيادة، والصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع، عملٌ كبير سيكون بين أفضل روايات 2019، لعل بناؤها الفذ يذكرنا إلى حد كبير بما كان يكتبه الناقد الراحل د. محمد مندور عن دراما «الأوتشرك» الروسية، حيث تتسع الساحة لعدد كبير من الشخصيات الحية النابضة، ليس من باب التكديس والطرافة، وإنما من باب تحليل الظواهر الاجتماعية، وتأملها، ومن زاوية استقراء المجتمع فى عزلته أو فى صخبه، وفى تقاليده وفى طبقاته.
تختفى هنا الحبكة التقليدية، ليبدو الأمر كما لو أننا أمام معرض للشخصيات وللخطوط المتضافرة، مسرح ثابت تتحرك عليه تفاصيل الحياة اليومية، بينما لو تأملت بإمعان، لاكتشفت الحركة فى كل الاتجاهات: حركة فى الزمن والذاكرة، وحركة بالعمق نتيجة الاكتشاف التدريجى لملامح كل بورتريه، وحركة مقاومة من الشخصيات فى سبيل تغيير واقعها أو ترويضه، ولكنها لن تنجح، فالدائرة محكمة، وحجر نارتى محاصرة بالنيل والصحراء، والحكايات كلها تجرى بين غرقين: غرق فتاة مجهولة الهوية فى بداية الرواية، وغرق فتاة معروفة فى نهايتها.
ربما تكون «الغرق» قوية الصلة برواية «الكونج» لحمور زيادة أيضا، ليس لأننا من جديد أمام دراسة مدهشة لقرية سودانية ناسا ومكانا فحسب، ولكن لأن حدث الغرق فى الرواية الأولى، ومقتل امرأة فى الرواية الثانية، يعملان كخيوط تمسك بحبات الحكايات والشخوص، بنفس الدرجة التى يعملان فيها كدلالات رمزية، تمنح الروايتين ثراء واضحا: يبدو الغرق نتيجة طبيعية لعلاقات محاصرة وخانقة، مثلما تبدو جريمة القتل الغامضة فى «الكونج» عنوانا على المسكوت عنه فى قرية تعشق النميمة، وتهرب من نفسها.
ولكن نظرة حمور لقرية «حجر نارتى» أكثر تعاطفا من نظرته لقرية «الكونج»، وكأنه يحتفل بمقاومة رجال حجر نارتى ونسائِها لظروفهم، أكثر مما يدينهم أو يحاكمهم، ويحتفل بشكل خاص بدور الحكايات فى تخفيف واقعهم، وفى مقاومة القهر بالونس، وبالغناء، وبالشراب، وباختلاس المتعة، وكلها «أفعال حياة» فى مقابل جثة غارقة، أو موت عزيز لا يُنسى.. لا يهم فى الونس ما يحدث، المهم أن تكون الحكاية ممتعة، لا يهم نصيبها من الصدق، المهم أن تهزم الوقت والعزلة والتهميش، العاصمة بعيدة، وانقلاب جعفر النميرى فى أيامه الأولى، ولكن حجر نارتى لا تهتم سوى بتوفر الجازولين من أجل الزراعة!
«الغرق» هنا ــ لو تأملتَ ــ يعمل بصورةٍ مجازية، مثلما يتجسد فى صورة جثة فى البداية والنهاية، الشخصيات غارقة فى واقعها وظروفها، ومحاصرة بتقاليد صارمة، وطبقية طاغية، وهناك ثنائيات لا فكاك منها: عائلة الناير وعائلة البدرى، أتباع الميرغنى وأنصار المهدى، مؤيدو الإنجليز ومناصرو المصريين، مع ترتيب واضح للمقامات داخل القرية: سادة، وعبيد سابقون، وغجر.
فى رواية «الكونج»، كان هناك أيضا بدو مهمشون ومحتقرون، أما الشخوص فتكاد تخرج إليك من الورق من فرط قوة رسم معالمها، تتكرر عبارات بأكملها كفواصل سردية، تذكرنا بعبارات شاعر السيرة الذى يذكر السامعين، فكأن الرواية ليست سوى سيرة عن أصحاب الحكايات.
مأساة حجر نارتى فى أنها محكومة بدائرة من القهر والونس، مأساتها فى الانتظار والعزلة، وفى أن تجميل الوجه بالأخاديد يتم عبر الألم والوجع والدم، فى أن أهلها لا يدركون أن انقلابات العاصمة والوطن هى سبب ثباتهم، وأنهم لا يدركون أن فاطمة أم الصبية ستظل تبحث عن ابنتها الغارقة سعاد فى كل عصر وجيل، طالما أن أحدا لم يكسر الدوائر، وطالما أن النيل يبتلع الضحايا، بدلا من أن يكون نهرا من الجنة.

التعليقات