فاقد الشيء قد يعطيه - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

فاقد الشيء قد يعطيه

نشر فى : الخميس 14 فبراير 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الخميس 14 فبراير 2019 - 11:55 م

آه من أمثالنا الدارجة.. صادقة ربما وصحيحة ربما، لكنها تسجننا خلف أسوارها، حتى إذا فكرنا أن نفك الأسر ونشذ عن المثل قوبلنا باستنكار، فالاختلاف ممنوع . يقول أحد الأمثال الدارجة إن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا ينتظر أحد من الشيطان أن يعظ. لكن في مقابل هذا المثل يوجد مثل آخر يقول: خذوا الحكمة من أفواه المجانين، وهذا يعني أن الحكمة لا تؤتي حصرا من حكيم فأي المثلين نصدق إذن ؟ نصدق أنفسنا.
***
كانت صاحبتنا تنتمي لواحدة من عائلات الصعيد العريقة المحافظة، عائلة لها تقاليد تقاوم الزمن وتتحدى التغيير، التعليم الفرنسي في مدارس الراهبات، والزواج زواج صالونات، الشبكة خاتم معتبر من الماس بدون شوائب والمهر بالشيء الفلاني، الذكر هو العائل الوحيد والأنثى ربة المنزل. أما القلة التي حاولت أن تُعدّل في هذه التقاليد الجامدة فإنها خاضت معركة طويلة ضد عبارة: إشمعنى انتم يعني؟، واختلفت نتيجة المعركة حسب طول النَفَس وتبعا للقدرة على الاحتمال والمعافرة. أما سناء فكانت لها تجربة أخرى .
***
حيل بين سناء وبين حلمها فكان إحساسها بالقهر شديدا. منذ تفتح وعيها وفي داخلها شعور قوي بأنها يمكن أن تكون نجمة لامعة، شعور قد لا يبرره إلا أنه نابع منها، وربما لو تركوها تُمثِل لما كانت شيئا على الإطلاق لكنهم لم يعطوها الفرصة لتختبر نفسها. كثيرا ما حلمت أنها تقف في طابور تنتظر دورها في مسابقة لاختيار الوجوه السينمائية الجديدة. كانت ترى نفسها وهي في كامل هندامها بقميص أبيض بكرانيش وچوب سوداء ضيقة وقد استعدت لتؤدي مشهدا محددا أمام لجنة التحكيم، كان هذا المشهد يتكرر ويتكرر كأنه أبدي، مشهد من رائعة أنتيجون التي كتبها الفيلسوف اليوناني سوفوكليس. أحبت سناء هذا المشهد لأن الشابة أنتيجون كانت تمثل رمزا للتحدي، تحدت أنتيجون إرادة الملك الظالم كريون الذي أمر الجميع بعدم دفن جثة أخيها عقابا له على تمرده، فلم تستسلم هي لقراره وأهالت التراب على جثة أخيها في جنح الظلام. ودّت سناء في قرارة نفسها أن تكون لها شجاعة أنتيجون فتفرض إرادتها على الأسرة وتدخل إلى عالم التمثيل وتسمع صفير الإعجاب، لكن أنتيجون كانت أسطورة أما هي فجزء لا يتجزأ من الواقع. هكذا ذهبت سناء إلى بيت العَدَل أو سيقت إليه سَوقَا بعد فرح أُبهة كان حديث المدينة .
***
لم تستطع صاحبتنا أن تحقق حلمها إذن ولا أن تؤدي دور أنتيجون أبدا، لكنها استطاعت أن تفعل شيئا آخر. تفننت سناء في صنع ملابس الإنترڤيو دون مقابل للفتيات المتقدمات لمسابقات الوجوه السينمائية الجديدة. بالطبع واجهتها معارضة عائلية في البداية، وانهالت عليها الأسئلة استفسارا واستنكارا ودهشة، ورماها بعض أفراد الأسرة بتشجيع الفجور. هي على أي حال كانت تتوقع شيئا من ذلك لكنها كانت قررت ألا تستسلم هذه المرة، وظهر واضحا من تشبث سناء بفكرتها الغريبة أنه ما لم تنحنِ العائلة أمام هذه النزوة المؤقتة فهناك احتمال أن تفقد سناء نفسها، لكن المفاجأة أن الأمر لم يكن مجرد نزوة.
***
قامت سناء بتأثيث جراچ ڤيللتها تجهيزا يناسب الغرض المطلوب، مائدة مستطيلة وعدة مانيكانات ومرآة ضخمة ومكان لتغيير الملابس، زيّنت الجدران بلوحات/مشاهد مختلفة من مسرحية أنتيجون واستعانت بمُساعِدة واحدة لا أكثر. كانت معلوماتها عن التفصيل بدائية جدا، ولذلك بدت غير متمكنة مع تفصيل أول طقم والثاني والثالث لكنها مع التجربة الخامسة كانت قد تطورت وصارت أكثر تمكناَ. لم تتعامل إلا مع اللونين الأبيض والأسود فهذان هما ملكا الألوان كما تعلمت وكما تخيلت نفسها في طابور الممتحنين، غير أنها كانت قادرة على أن تتلاعب بهذين اللونين مع بعض الإكسسوارات حسب الظروف، وكثيرا ما فاجأتها موهبتها. حافظت سناء على تعهدها بألا تتقاضى أجرا من عملها، هي أصلا لم تكن تحتاج دخلا، لكنها اشترطت أن تخبرها زبوناتها بتفاصيل الإنترڤيو كاملة فتلك الأجواء تحبها حبا كثيرا، وعندما كان الحظ يبتسم لهذه الفتاة أو تلك كانت سناء تشعر أنها ملكت الدنيا وما عليها، في وقت قصير يتحول الجراچ إلى مكان للاحتفال بمولد نجمة جديدة، بالونات ملونة وعصائر وموسيقي مبهجة .
***
اقترَبَت منها فتيات كثيرات وسألنها لماذا اختارت تفصيل أطقم الإنترڤيو بالذات، لكنها كانت تهرب من الإجابة لأنه في الواقع كانت هناك أكثر من إجابة وكل الإجابات واردة، فماذا تختار بالضبط من هذه الإجابات؟ أعوّض حرماني؟ أنتقم لموهبتي؟ أتمرد في حدود المتاح؟ إنه ما أجيد صنعه؟. فقط مع هذه الزبونة العشرينية وجدت نفسها على راحتها، رأت في شعر زبونتها الأحمر المموج وبشرتها البيضاء الرائقة بعض ملامح أنتيجون الشخصية الهاربة منها إلى الأبد فأنست لها. نزعت سناء الدبوس من بين أسنانها وثبتته عند خصر الفتاة لتتبدى نحافتها أكثر فأكثر، غالبت تأثرها بصعوبة ثم نطقت: منعتني الظروف من أن أختبر موهبتي فقررت أن أساعد كل موهبة في اختبارها، واستطردت تشرح وتحكي .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات