عامك سعيد.. وطريقك أخضر - وائل زكى - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 4:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

عامك سعيد.. وطريقك أخضر

نشر فى : الأحد 14 يناير 2018 - 9:50 م | آخر تحديث : الأحد 14 يناير 2018 - 9:50 م

طريقك أخضر.. تختلف دلالتها على طريقة نطقها، إن نطقتها بالعامية كانت دلالتها تمنى النجاح والتقدم دون عوائق، أو الوصول بيسر وسهولة لمرادك، وإن نطقتها بالفصحى أضافت احتمالا علميا على المعنى فتعطى مفهوما دارجا بين مختصى البيئة والعاملين فى مجالها، حيث صار الخضار تعبيرا عن صداقة البيئة، فيقال المبانى الخضراء، والمدن الخضراء، والتقنيات الخضراء، الطاقة الخضراء، النقل الأخضر، الهندسة الخضراء، حتى الاقتصاد الأخضر، والواقع أن دلالة صداقة كل منهم للبيئة تتوقف على مدى كف أذاه عن عناصر البيئة المتأثرة به، وشتان بين صداقة الكف وصداقة النصح وصداقة البذل، وفى كلٍ منفعة ولكنها على مراتب، فمعالجة مخلفات المصانع الضارة بالبيئة هى من قبيل كف الأذى، وتعميم ذلك والوعى به هو من قبيل النصح والإرشاد، ثم إيجاد بدائل أو معالجات تتكيف مع البيئة وتحسن عناصرها فهذا بذل وعطاء من أجل بيئة متوازنة صحية.

أطلق مصطلح «الطريق الأخضر» فى العديد من الدول ومازال على الطريق الذى يعالج مشكلة تصريف السيول ومياه الأمطار بشكل اقتصادى وبيئى، فتجد الطريق كثيف الأشجار والمسطحات الخضراء، على جانبيه فوهات تصريف تؤدى إلى خزانات موزعة على طول الطريق تكفى لرى المسطح الأخضر المخصص لكل خزان من موسم الأمطار إلى الموسم التالى بنظم رى اقتصادية فى استهلاك المياه، ويستفاد من تلك المياه فى رى حدائق الجزر الوسطى بالطرق، وتكثر تكنولوجيات استخدام مياه الأمطار للاستفادة منها بأوجه عديدة، حتى توفير مساقى الطيور فى الميادين العامة، وتشغيل نوافير المياه للتخفيف من حدة جفاف الجو بزيادة الرطوبة، وإعطاء منظر جمالى ومظهر حضارى للمدينة.

وتتبارى المدن فى عديد من الدول فى قدرتها على توفير مماشى للمواطنين فى طرقها الرئيسية، وغالبا يكون الممشى فى الجزيرة الوسطى من الطريق وبعرض مناسب لاستيعاب حارات المشى وتنوعها بحسب احتياج الممارس، فهو ممشى مصمم ليمارس المسن رياضة المشى وتمارس السيدة الحامل نظامها الرياضى، ويمارس أى فرد المشى للتريض والرشاقة أو النقاهة أو تحسين الوظائف الطبيعية، وكلها تحتاج لتصميم الممشى بشكل هندسى علمى تختلف بعض حاراته وانحناءاته وخدماته الموزعة على أجنابه تبعا للأنماط المختلفة من أهداف المشى، حتى توزيع المقاعد على المماشى للراحة مصممة بتناسب مع الاحتياج الرياضى لذلك وهى مختلفة عن مقاعد القراءة المنفصلة عن الممشى، ويبقى التحدى فى فصل الممشى بأهدافه الصحية عن عوادم السيارات المارة يمين ويسار جزيرة الطريق، إذ تجد فاصلا أخضر يحد من التأثيرات السلبية ويختار من نباتات قادرة على مقاومة العوادم وأحيانا ترش مواد تتفاعل مع العوادم وترشح نسبة كبيرة من تأثيراتها.

***

وهذا يقودنا لمفهوم الطريق الأخضر كطريق صديق للبيئة كونه مسارا للسيارات، صديق يكف أذاه على الأقل عن البيئة بما تحويه من غازات يتنفسها الأحياء، وقد نسمع عن الوقود النظيف أو النقل الأخضر وغير ذلك من مسميات وراءها حملات من آن لآخر تحاول تحسين عوادم محركات وسائل النقل بصفة عامة، وبعض المدن تمنع مرور الوسائل المستخدمة للسولار مثلا فى ساعات معينة ومواقع معينة داخل المدن، وبعضها يطبق غرامات كبيرة على أى سيارة يسجل مؤشر اختبار عادمها قراءات تتجاوز المسموح به وهى اختبارات ميدانية فورية، وتظل شركات إنتاج الوقود وشركات إنتاج السيارات تعمل على طرح أنواع جيدة لكسب رضا البيئة، ولكن علينا ألا نتغافل أولوية العنصر الاقتصادى وجنى الأرباح لدى تلك الشركات، فهل يسعد تلك الشركات إيجاد وقود أو وسائل نقل بديلة لتعيد بناء مصانعها على أسس تكنولوجية أخرى، والغريب أن جميع حملات تحسين البيئة تقوم بها تلك الشركات أو يلجأ لها مروجوها لدعمها، فهل هى بالفعل مجدية فى نتائجها ومحدثة أثرا إيجابيا فى الشارع أم متجاوبة فقط مع حملات التوعية.

هناك مفهوم أوسع للبيئة فى نطاق يشمل الإنسان كأحد أهم عناصرها داخل المدينة، وهنا يأتى الطريق كإحدى وسائل الارتقاء البيئى بمناطق سكن عشوائية، فتلك المناطق لا تعرف للطريق وظيفة أكثر من المرور من طريق إلى آخر أو إلى باب منزل، حيث لا يزيد عرض الطريق عن ثلاثة أمتار وقد يقل عن ذلك، وشق طريق واحد على الأقل بالمواصفات والمعايير السليمة داخل منطقة عشوائية له أبعاد صحية واجتماعية وأمنية واقتصادية، فكم من حريق يحدث داخل منطقة عشوائية يذهب بضحايا دون أن تتمكن سيارات الإطفاء من الوصول له، والبدائل من حنفيات حريق موزعة داخل تلك المناطق يحتاج شبكة مياه بقوة ضخ معينة، أما من الناحية الاقتصادية فإن أسعار الأراضى على الطريق الجديد تختلف، ومن أصبح بيته على الشارع الجديد صار لبيته ثمن أعلى، فإما يحوله لنشاط تجارى أو يبيعه ليبدأ المشترون الجدد فى بناء حديث على الشارع وتظهر خدمات تحتاجها المنطقة، شق الشارع فى منطقة عشوائية هو إحدى وسائل المعاونة على التطوير الذاتى للمنطقة مع تعويض واقعى مناسب للمضارين من شق الشارع، وقد أخذت دول عديدة بهذا التوجه فى تطوير عشوائياتها.

***

فى الصيف كنت مارا بأحد شوارع الجيزة ذات الحديقة العريضة بالجزيرة الوسطى، متذكرا أيام كنت استخدم الدراجة فى انتقالاتى آمنا مطمئنا فى مسيرى، وأثناء عبورى الشارع وجدت عاملا يغرق الحديقة بالمياه وممرات المشاة والمقاعد القليلة، وبرر فعله بمنع المواطنين من الجلوس على الخضرة، وأنهى حديثه حول طبيعة استخدام الحديقة بما ظن أنه يوضح لى نوعية المستخدمين بوصفهم «دول عالم بيئة»، وهنا مشيت وجميع المتناقضات تتصارع فى ذهنى، مما نطلقه من أوصاف وتفنيد للناس، فماذا لو قابلت الرجل الأخضر؟ فى مفهومى أعتقد أنه صديق البيئة، تأتى كل أفعاله متوافقة مع البيئة، ورغم أن أهله أطلقوا على تلك الشخصية الخيالية «Hulk»، حيث يتضخم جسده ويتحول لشىء مدمر لكل عناصر البيئة، إلا أن إخضرار لونه أثناء حالة هياجه جعلنا نطلق عليه هذا المسمى اللطيف، وبلا وعى، وبكل عنجهة نطلق أحكاما بالبيئية على أى شخص لا يتناسب مع وضعنا الاجتماعى، نقول هؤلاء عالم بيئة، هل نقصد أنهم مناصرو البيئة، لا، فالمقصد أنهم أناس من بيئة اجتماعية أدنى، وهنا جد مشكلة اجتماعية تتخذ شكل الظاهرة فى مجتمعنا وتحتاج لدراسة هل فاق وعينا واقعنا بحيث نفرق الناس ببيئاتهم الاجتماعية عن إدراك للمفهوم؟ أم صار للتعبير دلالة، وما هو موقف هذا العامل فعدت إليه متسائلا ما معنى أنهم عالم بيئة؟، فقال لى: باشا.. طريقك أخضر!.. عامكم سعيد.

وائل زكى استشاري التخطيط العمراني وعضو مقيم عقاري بلجان طعون الضرائب العقارية، ويعمل كأستاذ للتخطيط العمراني وتاريخ ونظريات تخطيط المدن ومدرب معتمد إدارة المشروعات
التعليقات