ما الذى تريد الثورة قوله؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 24 يناير 2021 5:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

ما الذى تريد الثورة قوله؟

نشر فى : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 13 ديسمبر 2012 - 8:00 ص

لقد كان المشهد أمام قصر الاتحادية الخميس 6 ديسمبر 2012 مساء مذهلا ورائعا وحيويا، رسالة لكل من يهمه الأمر تقول: جذوة الثورة ما زالت متقدة، ولن تستطيع قوة على الأرض إطفاءها وأن الثورة تفرض كلمتها على الجميع وأنه لا أحد اليوم أو غدا ممن يحكمون وسيحكمون مصر من أى تيار كان قادراً على أن يتحكم فى الثورة أو يوجهها، بل هى التى ستفرض توجهاتها على حكامها، فهذا الشعب بهذه الثورة يعلن أن له هو ــ وهو فقط ــ الكلمة الفصل فى هذا البلد لقد ظن الذين هاجموا المعتصمين الأربعاء 5 ديسمبر وروعوهم وقتلوا وجرحوا، أن ما فعلوه سوف يمنع الكثيرين من الخروج يومى الخميس والجمعة لكن ما حدث كان العكس تماما، فالذين قاموا بذلك لم يتعلموا درس التاريخ، لم يتعلموا من خبراتهم فى موقعة الجمل ولا ماسبيرو ولا محمد محمود، والذى لا يتعلم من خبراته التاريخية، سوف يهمله التاريخ ولقد قدم الثوار عدة دروس لكل من يهمه الأمر نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلى:

 

●●●

 

أولا: إن الحاكم الفرعون أصبح قصة لتسلية أطفال مصر:

 

لم يعد الشعب المصرى يسمح بوجود الفرعون على كرسى حكمه مهما كان لونه أو عرقه أو دينه أو جنسه، لقد أصبحت قصص الفراعين حكايات تحكى للأجيال القادمة وهم فى سن الطفولة ليناموا عليها لقد أصبحت قصص فرعون مصر تحاكى قصص أمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة، وذات الرداء الأحمر، تلك القصص التى تنتهى بهزيمة الشر دائما واندحاره، سوف ينشأ الطفل المصرى منذ نعومة أظافره يتنسم الحرية والعدالة والمساواة أمام القانون، وسوف يغرس فيه ما فعله آباؤه وامهاتهم وهم يدقون أبواب قصر الاتحادية بأيديهم وأقدامهم وحناجرهم ودمائهم كأساس لما يتمتع به من قدرة على التعبير عن ذاته، وقدرة على الوقوف أمام أى رئيس عمل، أو رجل دين، أو استاذ جامعة يحاول أن يزيف وعيه، أو يكسر إرادته، أو يذله لسبب أو آخر، لقد انتهى الفرعون من كل مناحى الحياة فى مصر، هذه الصورة الرائعة لبلادنا سوف تتحقق بالتأكيد فى المستقبل لأن نيران الثورة ما زالت مشتعلة ولأن الثوار لن يتراجعوا مهما كلفهم الأمر.

 

●●●

 

ثانياً: إن إرضاء الخارج لن يكفل الحماية لأى حاكم:

 

من الأمور التى تثير الاستغراب والعجب أن الرؤساء الذين حكمونا كانوا يبحثون عن رضا أمريكا وأوروبا أكثر من بحثهم عن رضا شعوبهم، وذلك لعدة أسباب، الأول أنهم يظنون بأنهم طالما وصلوا للسلطة فالشعب المصرى شعب مستكين ومتسامح فلا خوف منه، أما السبب الثانى وهو الأهم أن كلاً منهم يتطلع لأن يكون نجما عالميا بين الرؤساء وأن تتحدث عنه صحف العالم وأن تعقد معه القنوات التليفزيونية العالمية لقاءات عدة، وهذه النزعة موجودة فى كل رؤساء دول العالم الثالث والمشكلة أن العالم الأول وخاصة أمريكا يعلمون ذلك جيدا وبالتالى يستخدمون هذه الوسائل بكل إتقان وذكاء، ولقد كان النموذج الأعظم لهذه النظرية أنور السادات، الذى لاحظ عليه هنرى كيسنجر عشقه للظهور والإعلام فدفعه لزيارة إسرائيل، وغطت صوره وأحاديثه كل وسائل الإعلام فى العالم كما لم يحدث لرئيس عالم ثالث فى التاريخ من قبله (حدث من بعده لنيلسون مانديلا) لكن لأسباب أخرى، ولذلك حرص أنور السادات على أناقته بشدة وكان يقرأ كل ما يكتب عنه فى كل صحف العالم ويحرص على أن يقضى وقتا وهو يستمتع بمشاهدة نفسه على القنوات التليفزيونية العالمية، وكان لكل هذا الفضل فى أن يندفع نحو إرضاء الغرب كثيرا وكان ممكناً لمعاهدة كامب دايفيد أن تتم بشروط واستحقاقات أفضل لمصر مما هى الآن لو أنه تأنى قليلا فى المحادثات، واستمع للمحيطين به لكن الأضواء كانت تدفعه دفعا لذلك ولقد حدث هذا مع مبارك أيضا حتى وصل به الأمر أن يحقق للغرب وإسرائيل ما لم تحققه مع أنور السادات وكان الرئيس بعد عقد أى صفقة لصالح الغرب، يسمع رؤساء الغرب وصحفه يمدحونه يعود وكأنه انتصر فى حرب ويثبت أركانه فى حكمه بازدياد جرعة الديكتاتورية والقوانين الاستثنائية... إلخ وهو ما فعله السادات يوم 5 سبتمبر 1981 وانتهت باغتياله، وما فعله مبارك أكثر من مرة جعله يتصور أنه يمكن أن يورث ابنه الحكم وانتهت بالثورة عليه، وهو ما حدث مع د.مرسى فبعد أن قام بالوساطة بين أمريكا وإسرائيل من جانب وحماس من الجانب الآخر وقدم خدمات لهم لم تكن تحلم أمريكا ولا إسرائيل بها وسمع مديحه بأذنيه من أوباما ونتنياهو ورأى صوره على القنوات التليفزيونية العالمية وقرأ مقالات عنه فى الواشنطن بوست والتايم ولوفيجارو... إلخ.

 

عاد ليعلن الإعلان الدستورى وتحصين قراراته والاستفتاء على الدستور ليمكن أركان حكمه، ولم يكن يظن أن الثورة مستمرة ولم يقدر كيف تغير الشعب المصرى والحقيقة التى يجب أن تقال للتاريخ إن الرئيس الوحيد الذى كان يقف ويتشكك عندما تمدحه وسائل الإعلام الغربية والأمريكية كان جمال عبد الناصر وكان يتحسس رأسة قائلاً لابد أنه مطلوب منى أن أفعل شيئا ضد بلدى، وكان يستنتج ذلك بحسه الوطنى الخالص والنقى فهل يستفيد الرؤساء القادمون من دروس التاريخ فى العلاقة مع الخارج.

 

●●●

 

ثالثاً: إن استعجال الإخوان لحكم مصر أضر بقدرتهم على الأداء السياسى الفعال:

 

أنا أتذكر جيدا د.عصام العريان قبل الانتخابات الرئاسية فى ندوة شارك فيها بدأها بالقول نحن لسنا مجانين لنحكم مصر فى هذه الظروف ثم نحن غير مهيئين لذلك، لكن استعجال الإخوان لحكم مصر أدى بهم إلى الموقف الذى هم ونحن كشعب مصر فيه، لقد تراجع د.مرسى ثلاث مرات فى ثلاثة شهور عن قراراته، فما هو السبب؟ من المستحيل أن يكون السبب هو المؤامرة أو القوى الخارجية أو الثورة المضادة لكن قبل كل هذا حتى لو كان موجوداً بالفعل وبعده، إنه الأداء يا سيدى (الخبرة يا مواطن)، كيف لرئيس فى خمسة شهور يعادى القضاء والإعلام وعدة نقابات ويلقى بالحطب لنار الثورة؟! ولقد وضح من استقالة المساعدين والمستشارين أن له مستشارين آخرين وهؤلاء المشيرون لا خبرة لهم بالأداء السياسى للحكم وبالقدرة على اتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب بالطريقة المناسبة إن هذا الأداء لم يتوقف تأثيره على مصر وحدها لكنه امتد إلى الدول العربية التى يجتاحها الربيع العربى ففى سوريا بدأ الجميع يتحدث عن حكم الإخوان القادم مما قلل من تأييد العالم للثوار، وارتباك الشعب السورى فى مدى تأييده لثورته وكذلك فى ليبيا والكويت، والذى يقرأ صحف هذه البلاد يرى كيف أن أزمة إخوان مصر انعكست عليهم لأن إخوان مصر هم القيادة والريادة والنموذج لهم.

 

بل كان لهذا الأداء انعكاسه الدولى فالاتحاد الأوروبى هدد بوضع ضغوط اقتصادية على مصر، وأمريكا نصحت بالتوافق والحوار دون شروط... إلخ ونتيجة الحوار الأخير مع المعارضة والذى دعا اليه د. مرسى لم يكن حواراً حقيقياً من الأصل وخير دليل على مانقول ان الطرف الآخر للحوار مع الرئيس كانوا أهلة وعشيرتة بالإضافة إلى بعض المعارضين الذين لا أرضية لهم، أما المعارضة الحقيقية فلم تذهب للحوار وقد صدق حدسهم بأن الحوار كان مطلوباً لتأكيد قرارات الرئيس وليس للبحث عن حلول. لا شك أن استعجال الإخوان لحكم مصر لم يكن فى صالحهم بأى شكل من الأشكال، ولا فى صالح مصر فالتوتر وعدم الاستقرار والخوف من المجهول هو الهاجس المسيطر على الحاكم والمحكوم؛ وسؤال ماذا عن المستقبل؟؟ يجعل كل الاحتمالات مطروحة.

 

 

 

 

 

أستاذ مقارنة الأديان

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات