«الضوء بين المحيطات».. عن المشاعر التى تجعلنا أحياء - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«الضوء بين المحيطات».. عن المشاعر التى تجعلنا أحياء

نشر فى : الخميس 13 أكتوبر 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 20 أكتوبر 2016 - 10:28 م
أفضل ما يحققه الفيلم الأمريكى الأسترالى البريطانى النيوزيلندى المشترك «the light between oceans» أو «الضوء بين المحيطات» الذى أخرجه ديريك سيافرانس، هو تلك المشاهد التى تدفقت فيها مشاعر أبطال الفيلم، والتى جعلتهم فى قلب الحياة من جديد.

كان يمكن للفيلم، الذى كتب له السيناريو والحوار سيافرانس أيضا، والمقتبس من رواية بنفس الاسم لـ«م. ل. ستيدمان»، أن يكون عملا ميلودراميا من الدرجة الثالثة، وخصوصا أن المصادفة تلعب دورا كبيرا فى تشكيل أحداثه، كما أنه يقدم فرصة لانفعالات عاطفية صاخبة ومزعجة، من خلال تحولات انقلابية فى المواقف.

ولكن المعالجة شديدة الحساسية للرواية، والاعتماد على الصورة، وانضباط أداء أبطال الفيلم الثلاثة مايكل فاسبندر وأليشيا فيكاندر وراشيل وايز، كل ذلك جعل من الفيلم تجربة مهمة تستحق المشاهدة، ولولا بعض التطويل فى الجزء الأخير من الفيلم، لكانت التجربة فى مستوى أفضل وأرفع.

يقدم الفيلم ثلاث حكايات متداخلة، لشخصيات تختبر عواطفها أحداث غريبة، الشخصية الأولى هى توماس (مايكل فاسبندر) الشاب الأسترالى العائد إلى وطنه فى ديسمبر 1918، والذى يبدو محطم العواطف والمشاعر من كثرة ما رأى فى الحرب العالمية الأولى، أثناء خدمته فى فرنسا، إنه يريد الآن أن يعمل كعامل فى فنار بجزيرة تقع بين محيطين، فى شمال أستراليا، يحلم بمكان بعيد حيث لا يمكنه إيذاء أحد. توافق السلطات على إرساله إلى هناك، ليعيش وحيدا فى مساحة 160 كيلومترا، يرشد السفن بدلا من العامل السابق المضطرب نفسيا، والذى بدأ يستمع إلى أصوات لزوجته المتوفاة.

الشخصية الثانية هى إيزابيل (أليشيا فيكاندر) وهى ابنة لرجل فقد ولديه فى الحرب، الفتاة تبدو جريئة قوية الشخصية، ومن الواضح أن توماس لفت نظرها بردوده وكياسته وغموضه، إيزابيل هى التى ستأخذ الخطوة الأولى، ستخرج للتنزه مع توماس، تتفهم أحزانه بسبب الحرب، وبسبب ابتعاد توماس عن والده القاسى، يتزوجها، ولكنها تجهض مرتين متتاليتين، لا يكسر رتابة حياة توماس وإيزابيل إلا ظهور قارب، عليه جثة رجل يحتضن طفلة صغيرة، تفرح إيزابيل بهدية المحيط، بينما يصر توماس على إبلاغ السلطات، فى النهاية يستجيب لطلب إيزابيل، بأن تكون الطفلة ابنتهما، سيدعيان أنهما أنجباها على الجزيرة، يوافق توماس، ويدفن جثة الرجل الذى كان يحمل الجثة فى القارب.

الشخصية الثالثة هى هانا (راشيل وايز) والتى تظهر فى منتصف الفيلم تقريبا، إنها أم الطفلة التى أطلقت عليها إيزابيل اسم «لوسى»، سنعرف أن هانا ابنة رجل ثرى، أحبت خبازا ألمانيا يُدعى فرانك، وأنجبت منه طفلة أطلقت عليها اسم جريس، تبرأ والد هانا منها بسبب ارتباطها بالألمانى، وتعرض فرانك لمضايقات كثيرة بسبب جنسيته، ولما حاول الهروب فى قارب مع طفلته، لم يتحمل المغامرة بسبب ضعف قلبه، ووصلت الطفلة إلى توماس وإيزابيل.

هكذا تتحدد بوضوح خطوط الصراع الذى يبدأ أولا بين إيزابيل وتوماس بسبب فشل إيزابيل فى الإنجاب، هو يحاول تهدئتها، وهى تفقد حملها قبل موعد وصوله بشهور، ثم يتحول الصراع إلى توماس وهانا، إنه يرسل إليها رسالة صغيرة مكتوبة يخبرها بأن طفلتها على قيد الحياة، ويرعاها أشخاص يحبونها، فتبلغ هانا الشرطة لمتابعة هذا الخيط، ثم يتحول الصراع إلى إيزابيل وهانا، الأولى تريد الاحتفاظ بالطفلة، والثانية تريد استرداد ابنتها، كما أن هانا تساوم إيزابيل لإدانة توماس، واتهامه بقتل فرانك أيضا، وذلك فى مقابل تنازل هانا عن حضانة الطفلة.

يظل هدف هذه اللعبة كلها اختبار المشاعر والعواطف التى قد تكون مؤلمة وصعبة، ولكنها الدليل الوحيد على كوننا أحياء، ويصبح سؤال الفيلم حول مدى قدرة الإنسان على التخلى عن الحب بعد أن وجده. ومن خلال مشاهد مشحونة بالتقلبات، تتضح معالم كل شخصية، ويصبح توماس مثل الفنار الذى يهدى السفن إلى الشاطئ، إنه لا يتوقف عن التضحية من أجل إنقاذ إيزابيل، بعد أن ضحى واحتفظ لها بالطفلة التى قذفها المحيط، وهو فعلا فنار بين محيطين هادرين هما هانا وإيزابيل، ورغم أن توماس كان ميت المشاعر عند عودته من الحرب العالمية الأولى، إلا أنه لن يتنازل أبدا عن عواطفه، وسيواصل الطريق حتى النهاية.

تخفف المشاهد الشاعرية من كثرة المصادفات، وتمنح القصة غلافا رومانسيا سواء فى مشاهد الجزيرة، أو فى العلاقة بين إيزابيل وتوماس، أو فى قصة الحب بين فرانك الخباز الألمانى وهانا ابنة العائلة الثرية، ورغم طول زمن الأحداث التى تبدأ فى ديسمبر 1918 وتصل بنا إلى العام 1950، فإن السيناريو نجح إلى حد كبير فى تكثيف المواقف، وخصوصا فى الجزء الخاص بعمل توماس فى الفنار، ثم علاقة حبه مع إيزابيل، وخطاباتهما المتبادلة، ثم فى حياتهما العاطفية، ومواجهتهما للفشل فى الإنجاب.

ولكن الجزء الأخير كان مضطربا قليلا، وكان يحتاج إلى تكثيف أفضل، مع أننا وصلنا فى النهاية إلى مصالحة أعادت الطفلة إلى أمها الأصلية، وأنقذت توماس وإيزابيل من عقوبات الحد الأقصى، وجاء مشهد الخمسينيات، ليعيد الطفلة بعد أن كبرت، وقد حملت اسما مزدوجا هو «جريس/ لوسى»، ومعها ابنها فى زيارة إلى توماس، بعد أن تقدم به العمر، وبعد أن فقد إيزابيل.

نحن إذن أمام حرب أكثر تعقيدا من الحرب إلى خاضها توماس فى فرنسا، إنها حرب المشاعر والعواطف بين الشخصيات الثلاث، ونحن أيضا أمام مستوى صريح للفنار الذى يهدى السفن الهائمة بين البحار والمحيطات، ومستوى مجازى لفنار داخل كل شخصية يطلق شعاعا من النور، ويهدى كل من توماس وإيزابيل وهانا فى لحظة ما إلى اتخاذ قرار إنسانى، إنها أنوار الحب والتضحية والتسامح، هكذا تعامل توماس مع إيزابيل، وهكذا تسامحت هانا مع إيزابيل وتوماس متذكرة تسامح فراك تجاه أولئك الذين أساءوا معاملته، لمجرد أنه ألمانى يعيش فى أستراليا.

نجح المخرج مع مدير التصوير ومؤلف الموسيقى التصويرية فى تقديم مشاهد لا تُنسى للطبيعة فى جزيرة يتوسطها فنار، ذكرتنى بعض المشاهد بلوحات الفنان كوربيه الواقعية التى يظهر فيها البحر رصاصيا وأسود اللون، وفى مشاهد كثيرة كان ضوء الشمس يخترق الأفق فيترجم بصريا معنى الفنار العاطفى، ويُدخل الدفء على حياة زوجين ينتظران طفلا بلا جدوى.

كما كانت إدارة المخرج ممتازة لممثليه: مايكل فاسبندر الذى تلين ملامحه تدريجيا عندما يسترد عواطفه من خلال علاقته بإيزابيل، وأليشيا فيكاندر وراشيل وايز اللتان قدمتا تنويعتين على نغمة الأمومة: أمومة بالإنجاب، وأخرى بالتربية والحب، والاثنتان صادقتان، وتدفعان المتفرج إلى حيرة حقيقية، وخاصة أن السرد فى معظمه يتم من خلال زاوية الأم التى ربت، وليس الأم التى ولدت.

هذا فيلم عن أهمية المشاعر الصادقة، والعواطف النبيلة، والتى لولاها ما وصل الأبطال الثلاثة فى النهاية إلى شاطئ السلامة، هذا هو الفنار الحقيقى الجدير بأن يُضاء فى كل الأوقات والعصور.
التعليقات