طبيعة الدولة التى نريدها لمصر - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


طبيعة الدولة التى نريدها لمصر

نشر فى : السبت 13 سبتمبر 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 13 سبتمبر 2014 - 8:08 ص

مرت مصر من 25 يناير 2011 وحتى اليوم والغد بصعود وهبوط. تمزق وتأرجح. آلام وأفراح ومازال المصريون يتطلعون إلى شكل واضح للدولة يمكن تعريفه والوقوف على أبعاده وأعماقه وبالتالى تتشكل من خلاله طموحاتهم وآمالهم، ويمكن للبعض أن يعتبر ما أقوله نوعا من السذاجة، فمن الواضح أن دولة الإخوان فشلت وهو ما كان متوقعا سواء لضعف إدارة الدولة لديهم أو لضعف الخبرة فى هذا المجال أو لاستعجالهم أخونة الدولة، أو للرفض الطبيعى لهم من الدولة المصرية العميقة، وأيضا يمكن للبعض الآخر أن يتعجب لأن الدولة بها خريطة طريق للمستقبل أنجز منها الدستور والانتخابات الرئاسية، فما الذى أريد قوله من تعبير «الدولة التى نريدها لمصر» فكل شىء واضح وجلى؟ إن ما أريد إيصاله لك ــ عزيزى القارئ ــ هو: «ماذا نعنى بطبيعة الدولة؟ ونحن نعنى به حقيقة الدولة وهل هى عقائدية أيديولوجية أى ذات صبغة دينية مع إضافة كلمة «مدنية» بدلا من «علمانية» لأن الأخيرة سيئة السمعة وهل هذه التركيبة فى طبيعة الدولة يؤدى إلى إضعافها وهشاشتها أم إلى تقويتها؟ إن التناقض الواضح بين السلطات المدنية والممارسات الدينية التى تفرض نفسها على الإعلام والتعليم مثل (مناهج التعليم فى المدارس ــ مشكلة قضية نوح وبرنامج مسابقة الرقص) مشكلة حقيقية ذلك لأن الدولة المدنية الحديثة فى جوهرها تعنى «دولة محايدة» مسالمة تدع كل الزهور تتفتح بما فيها الزهور الدينية فى حوار بناء مع الزهور المدنية (مع الاعتذاز للزهور بالطبع) دون عنف أو استخدام قوى الدولة لجانب أحدهما ضد الأخرى كذلك طبيعة الدولة الحديثة ديمقراطية قانونية حقيقية مرجعياتها ومضامينها تعتمد على الحقوق والحريات الفردية منها والعامة وتقف فى وجه كل من ينتهك ويهدر هذه الحقوق والحريات مهما كان.. إنها دولة تنحاز للقانون بشكل واضح سواء المحلى منه أو العالمى الذى يقف ضد جميع أنواع الجرائم الإنسانية (جرائم التعذيب والتهجير والإبادة الجماعية).

•••

ولابد هنا أن نوضح أن طبيعة الدولة فى العالم كله تتأرجح بين طرفين متناقضين دولة عقائدية نموذجها (أفغانستان تحت حكم طالبان ــ السعودية ــ كوريا الشمالية) ودولة مدنية علمانية على الطرف الآخر نموذجها (سويسرا ــ السويد ــ فرنسا) على أن بين النوعية الأولى والثانية درجات متفاوتة منها ما هو أكثر قربا للدولة الدينية التى تطبق بعض الممارسات الديمقراطية مثل إيران وباكستان وأفغانستان ثم درجة أخرى أبعد من الدينية لكنها ليس أقرب إلى المدنية يمكن القول أنها فى المنتصف أو تتأرجح بين الإثنين مثل تركيا ومصر وتونس، لكن معظم الدول التى فى المنتصف هى دول من الصعب وضع تعريف واضح لطبيعتها لأنها غير قادرة على الحسم بين الدولة الدينية والدولة المدنية وهنا الطامة الكبرى، لأن الإنسان غير الحاسم فى حياته غير قادر على الإنجاز، ذلك لأن رؤيته للمستقبل غير واضحة، أو أمامه رؤيتين يتأرجح بينهما فيضيع وقته دون اتجاه محدد أو هوية محددة، وهذه النوعية من البشر بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولا يستطيع أحد أن يحدد اتجاهها وبالتالى لا تستطيع أى هيئة أو منظمة واضحة المعالم والأهداف استخدامه، أو توظيفه إلا فى الدرجات الدنيا مثل عمال النظافة والسعاة وهذا بالضبط وضع الدولة التى لا تحسم اختياراتها لأنها غير قادرة على تعريف طبيعتها فهى بلا هوية حيث تتأرجح بين الدينى والمدنى فلا يمكن الإمساك بها أو معرفة الخطوة القادمة فدستورها ينص على الاتجاهين بلا خجل معتمدا على بساطة الشعب ويتضح هذا مثلا عندما تبدأ هذه الدولة مشروعا وإذ بالفتاوى الدينية تهدمه من جذوره لعدم شرعيته أو لعدم توافقه مع الأيديولوجيا مثل «تنظيم الأسرة» مثلا فتتراجع عنه فى خجل دون حتى أن تعلن تراجعها وهكذا تخسر الكثير من الوقت والجهد والمال.

•••

وفى النهاية نقول إنه بلا شك أن الأيديولوجيا مهما كانت دينية أو قومية أو عوائلية إذا حكمت دولة فاستخدام حكامها لها لتحقيق أهداف سياسية فهم يعلنون بهذا أنهم لا يحترمون دستورا ولا يخضعون لقانون. فالأيديولوجيا بطبيعتها ضد الديمقراطية ولا تعترف بها أصلا مهما كانت فصاحة خطبائها وكتابها الأفاضل. استمعنا كثيرا لمن يقول «رؤية مصر فى المرحلة المقبلة «والحقيقة أن كل ما قيل لا يندرج تحت الرؤية لأن تعريف الرؤية هو «ما يجب أن يكون عليه المستقبل‏» فى جملتين أو ثلاث تتشكل من خلالها الأهداف المرجو تحقيقها. وهذا التعريف للمستقبل تتحدد من خلاله طبيعة الدولة التى نأمل أن نعيش فى ظلها تحديد شكلها وملامحها وعقيدتها السياسية، وانطلاقا من ذلك التعريف تعلن أهدافا سياسية واقتصادية واجتماعية عامة وأخيرا تأتى الأهداف الفرعية فى التعليم والصحة... إلخ. من الرؤيا بهذا المعنى يبدأ الحديث وعندها ينتهى.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات