هذا المُنتج أنقذ حياتي - منى أبو النصر - بوابة الشروق
الخميس 13 أغسطس 2020 8:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هذا المُنتج أنقذ حياتي

نشر فى : الإثنين 13 يوليه 2020 - 8:00 م | آخر تحديث : الإثنين 13 يوليه 2020 - 8:00 م

*لم تجد سارة أفضل من قصة حياتها لتكون حملتها لتسويق مُنتجها الخاص بالعناية بشعر السيدات المُلونّات، منذ أن كانت تجوب به في سوق مدينتها الشعبي، وصولًا إلى أن أصبحت أول مليونيرة سوداء، يتم تقديمها في المحافل بوصفها (مدام سي جي ووكر) سيدة الأعمال المرموقة، التي لم تفصل يومًا بين علامتها التجارية والدفاع عن قضيتها العرقية.

قصة مدام سارة سي جي ووكر باتت أكثر شعبية تلك الأيام بعد أن قامت شبكة "نتفليكس" بإنتاج مسلسل قصير عنها بعنوان "Self made" أو "عصامية"، ورفع من أسهمه إسناد دور البطولة فيه للنجمة الأمريكية أوكتيفيا سبنسر، تم عرض المسلسل قبل عاصفة جورج فلويد، وقبل أيام تم إدراجه هو وعدد من الأعمال الدرامية التي تدور في عالم السود والعنصرية ضمن خانة استحدثتها "نتفليكس" بعنوان "Black lives matter".
*يبدأ المسلسل بتساؤلات سارة وهي محدوبة ترتزق من غسل الملابس للآخرين مقابل سنتات زهيدة، تتساءل عن قلة نصيبها من الجمال، وقلة نصيبها من الحياة، ووفرة نصيبها من الفقر، يتساقط شعرها من ألم التساؤلات حتى باتت تميل للصلع، فتزداد ورطتها مع الثقة بالنفس كلما طالعت المرآة، وتنهار تمامًا مع هجر زوجها الأول لها، تُحدّث نفسها "نسيت أن أحلم..عندها بدأ شعري في التساقط".

يأتي لها حلم التغيير محمولًا مع طرق باب سيدة سمراء (نصف سوداء) تتمتع بملامح جميلة نسبيًا على بابها، فهي تطرق الأبواب لتُسوّق كريم مُنبت للشعر قامت بتصنيعه، تُقنع سارة بقدرة منتجها على تغيير حياتها بعد نمو شعرها من جديد، ومعه شعورها باسترداد حياتها، وبسبب فقرها وافقت على صفقة بحيث تُعالج صاحبة الكريم شعر سارة، في مقابل أن تغسل سارة لها ملابسها، ومع استعادتها لشعرها مع استخدام الكريم السحري، استعادت معه وهجًا وشعورًا بالامتنان لهذا المنتج، ودّت لو تنقل تجربتها للسيدات، فطلبت من صاحبة المنتج أن تُسوّق منتجها، لتواجه صلفًا ورفضًا منها، والسبب من وجهة نظرها هو عدم صلاحيتها لمهنة التسويق التي تتطلب جمال الشكل الذي تفتقره سارة، في مواجهة جديدة لها مع العنصرية ليست هذه المرة من أصحاب البشرة البيضاء وإنما من أصحاب البشرة المُلونة ضد بعضهم.

*مدفوعة بالغضب والقهر، تُحوّل سارة مطبخ بيتها الصغير لمعمل تركيبات، وصولًا لسر تركيبة هذا الكريم، حتى توصلت لها وجودتها، وبدأت في بيع تركيبتها الخاصة للنساء السود ومعها تبيع لهم الحلم، حلم أن يُظهرن جمالهن الخاص للعالم ومعه ثقتهن، لا تنسى كل مرة وهي تبيع منتجها الذي يحمل اسمها أن تُذكّر زبوناتها أن شعرهن هو إرثهن، فكما أن التجارة لديها لا تنفصل عن همها العرقي، فالتفوق أيضًا هو شرط من شروط البقاء لسيدة سوداء مثلها، يظهر هذا الخطاب على مدار المسلسل، فهي حتى بعد النجاح الساحق لمنتجها وتوسعها في افتتاح فروع للعناية بشعر السيدات المُلونات، تنصح ابنتها الوحيدة وتقول لها في منطق كاشف "لأن الجميع يُعجبون بالفتاة البيضاء صاحبة الشعر الناعم، فيجب علينا كسيدات سوداوات أن نعمل أكثر، ونصبح أذكى، وأغنى".

*لعل الحديث عن العنصرية من بوابة الجمال، أحد ملامح خصوصية هذا المسلسل، فالبطلة ظلّت على مدار مسيرتها تبحث عن جمال يخص الفتيات السوداوات، رافضة الصورة الذهنية التي تُقصيهن من أفيشات الدعاية، علاوة على أن الدراما هنا تضعنا في سياق تتراوح فيه طبقات العنصرية باختلاف درجات اللون الأسود، فالسيدة ذات البشرة السمراء الخفيفة تكون فرصها في الحب والعمل أكبر من الفتاة ذات البشرة السوداء الداكنة، وكأن النزاع الطبقي والعنصري بين أهل اللون الواحد وليس فقط مع البيض، فزوجها يخونها مع فتاة ذات بشرة سمراء، ويتم رفض عملها كمندوبة مبيعات رغم ذكائها وحماسها الشديد، لأن لونها لا يتناسب مع مواصفات البائعات الشكلية.

*هذا الصدى الثوري المُتجذر في صوت المسلسل، ليس بعيدًا عن الأعمال الدرامية التي تعرض للمفارقات العنصرية التي مرّ بها السود الأمريكيين عبر تاريخهم، فلا يمكن تتبع سيرة مدام سي جي ووكر دون قراءتها في سياق العنصرية السائد ما بين نهايات القرن الـ18 وبدا

يات القرن الـ19 في الولايات المتحدة، بداية من الحي السكني الذي كانت تقطن به المُخصص للسود، وحتى السينما الصغيرة التي ترتادها المُخصصة للسود، وحتى البيت الفخم الذي انتقلت إليه بعد أن صارت مليونيرة تتمتع بنفوذ داخل الدوائر الاقتصادية الأمريكية، لتكون السوداء الوحيدة في حي الأثرياء من أصحاب البشرة البيضاء، ما يُضاعف من حساسية استضافتها لمؤتمر للعاملين ومندوبات المبيعات في مصانعها وشركتها من السود في بيتها الكبير في الحي الراقي بنيويورك، الذي لم تأبه أن تخطب فيه لتحميس فتيات المبيعات السوداوات لتذكرهن كيف أنهن في مجتمع ينظر لهن كـ "منبوذات، مُتجاهلات، ومُستغلات".

* يُرجع القائمون على الشبكة الترفيهية الأكثر شعبية اليوم "نتفليكس" تخصيص خانة مستحدثة تحمل شعار "حياة السود تهم" إلى أن حكايات السود وسردياتهم وإرثهم يهمون أيضًا، وبذكر الإرث، ففي المسلسل تُتمتم سارة في لحظة يأس بإحدى المأثورات الشعبية التي نشأ عليها أبناء عرقها :"إذا كنت أبيض فطوبى لك، إذا كنت أسمر فيمكنك أن تبقى، إذا كنت أسود فلتتراجع".

منى أبو النصر صحفية مصرية
التعليقات