ما بين الرحمة والرهبة! - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأربعاء 20 نوفمبر 2019 1:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ما بين الرحمة والرهبة!

نشر فى : السبت 13 يوليه 2019 - 10:20 م | آخر تحديث : السبت 13 يوليه 2019 - 10:20 م

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعى خلال الأسبوع الماضى، صورة التقطت لضابط شرطة يقبل يد سيدة مسنة، أثناء تنفيذ حملة رفع إشغالات باعة جائلين افترشوا طريقا فى إحدى المناطق الشعبية.
وكالعادة ما إن نزل رجال الحملة من سيارات الشرطة حتى لاذ الباعة المنتشرون فى المنطقة بالهرب، منهم من حمل أغراضه ومنهم من تركها، باستثناء سيدة مسنة كفيفة جلست خلف «فرشة بيع خضار»، وأخذت تردد «هو فيه إيه يا ولاد؟»، فرد عليها ضابط شاب: «مفيش حاجة يا أمى إنت بتبيعى إيه هنا»، فردت: «شوية فجل وجرجير بسترزق منهم»، فطمأنها الضابط قائلا: «خلاص أنا جاى أشتريهم منك.. قومى معايا أوصلك»، وفقا لما ذكره عدد ممن تناقلوا الواقعة.
الضابط طالب رجال الحملة المرافقة له بالتعامل مع الناس برفق «محدش يخض الناس مش ناقصة»، ثم بادر بتقبيل يد السيدة الكفيفة، وأعطى لها مقابل ما كان على «فرشتها من خضار»، ثم أمر بتوصيلها إلى منزلها.
رواد مواقع «السوشيال ميديا» تداولوا الواقعة مع صورة للضباط وهو يقبل صورة السيدة الكفيفة، مصحوبة بعبارات ثناء على إنسانية الضابط الذى قدم الرحمة على القانون، وضرب نموذجا لكيفية تعامل رجال الداخلية مع الشعب «عنده قلب كبير فى صدره، أكبر من النجوم اللى على كتفة.. إنسان محترم ونموذج يبنى بلد وقدوة»، قال أحدهم.
الاحتفاء اللافت لتلك الواقعة ولوقائع سابقة كان أبطالها ضباط شرطة وباعة جائلين فى دمياط وأسوان خلال الشهور الماضية، يثبت أن الناس تبحث عن نقطة نور وسط العتمة الكالحة التى تحيط بهم، يبحثون عن نموذج مخالف لما هو واقع، فالذاكرة الجمعية للمواطنين تحمل مشاعر الخوف والرهبة من أصحاب البدل الميرى المناط بهم إنفاذ القانون، والمخالفات التى ارتكبت فى حق بسطاء هذا الوطن أكبر من أن يتم حصرها فى تلك الزاوية.
تغليب الضابط الشاب لمشاعره الإنسانية على الأوامر والقوانين فى عصر جفت فيه مشاعر الرحمة، وتملك فيه الخوف وتراجعت الطمأنينة، حوله إلى حالة تمنى الناس تعميمها كبديل عن الصورة التى يحملونها فى مخيلتهم لبعض رجال الشرطة.
لقد نفذ هذا الشاب المقصد الأعلى لـ«العدل»، حقق «الإنصاف» فأخذ ما له بأن أخلى المكان من الإشغالات، وأعطى ما عليه فوفر للسيدة المسنة الكفيفة مرادها واشترى منها بضاعتها، فعادت إلى بيتها مجبورة الخاطر، فغاية العدل هو حماية الأفراد وصون حقوقهم وتوفير الطمأنينة والأمن لهم.
لقد نص الدستور الحالى على أن «الشرطة هيئة مدنية فى خدمة الشعب، تكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام، والآداب العامة، وتلتزم بما يفرضه عليها الدستور والقانون من واجبات، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية»، وهو ما أعيد التأكيد عليه فى قانون هيئة الشرطة الذى فرض على رجال الداخلية حماية الأرواح والأعراض والأموال وكفالة الطمأنينة والأمن ومنع الجرائم وضبطها.
والشعب يطلب من رجال الشرطة فضلا عن التزامهم بما جاء فى الدستور والقانون، من توفير الطمأنينة والأمن وحفظ الحقوق الأساسية واحترام الحريات، فلا يهانوا أو ينكل بهم، يطالبهم بأن يتحلوا بمشاعر الإنسانية، ويعاملونهم كبشر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، أن يقربوا المسافات التى اتسعت بسبب خشونة ورعونة البعض، فالأصل ألا يهاب المواطن رجل الأمن، والأصل أن تكون الشرطة فى خدمة الشعب.
لا حكم عادلا دون صون للحقوق والحريات واحترام للكرامة، ولا استقرار دون أن يتحرر الناس من مشاعر الخوف ويستبدلونها بالطمأنينة والسلام.

التعليقات