ولا مرة كان لبنان لبنانيًا - المواقع العربيه - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 7:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ولا مرة كان لبنان لبنانيًا

نشر فى : السبت 13 يونيو 2020 - 8:25 م | آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2020 - 8:25 م

نشر موقع على الطريق مقالا للكاتب «نصرى الصايغ»، يبكى فيه حال لبنان المنقسم ويؤكد على حتمية نزول اللبنانيين إلى الساحات لاسترداد لبنانهم.. جاء فيه ما يلى.

كنت أشك دائما. لبنان ماضٍ بلا مستقبل. مستقبله هو ماضيه البشع. مئة عام لم تكن كافية لإقناعنا، أن لبنان هو لبنانى. عبث. ولا مرة كان لبنان لبنانيا.
فلنتوقف عن الكذب. صفحات لبنان ليست مشرقة أبدا. ما حصل فى «معركة الجمل» اللبنانية تُفصح عن جد، أن اللبنانيين اختاروا خنادق الماضى، وليس بمقدورهم النظر إلى الأمام. الأمر السياسى اليومى، «إلى الوراء در»، أو، «مكانك راوح».
هذا التقليد اللبنانى محروس. هو مجموعة معسكرات، تحتشد فيه جماعات، مربوطة بأعناقها، إلى طابور يقوده زعيم طائفى، إلى حيث يشاء، بلا نقاش، وبحماس لا نظير له. وهذا التقليد عريق جدا. تكرَّس رسميا مع نشوء الكيان. «شكرا فرنسا». لقد أهدتكم أرضا واحدة وشعوبا متعددة. ظن الموارنة أن لبنان لهم، والآخرون لاجئون. ثم، تكاثرت الولادات عند طائفة، فطالبت بالمشاركة. نشأت ثنائية ملغومة، مسيحية إسلامية. ولكل طائفة مرجعية خارجية، تلجأ إليها لتحميها وتنصرها، ثم كبرت طائفة أخرى، فطالبت بحقها. أخذتها وصار لبنان «ميثاقيا» مزغولا. ظن المنظرون أن هذا «اللبنان» سيخلف لبنانيين. عبث. ظل لبنان مواليا دائما، لقوى خارجية متناقضة ومتطاحنة.. كلهم أقاموا عندنا وما زالوا مقيمين. فرنسا كانت عندنا، دمشق كانت عندنا. مصر كانت عندنا. فلسطين مرت من عندنا. السعودية هى عندنا. إيران لها عندنا.. ولا ننسى طبعا أمريكا العظمى التى هى عندنا، شئنا أم أبينا.
توقفوا عن الكذب قليلا. لبنان ليس دولة. لم يكن ولن يكون. الدولة يصنعها مواطنون، لا «مواطفون». الطوائف، كل الطوائف هى الدولة. ولكل طائفة سلطة تطيعها الأغلبية. والخارجون على الطائفة، أيتام فى ساحات الاعتصام، وحزانى وطن الأحلام.

لبنان الميثاق، لم يكن وطنا. كان مكان إقامة بصيغة تعايش. والتعايش لا يخضع لمنطق الديموقراطية ولنصوص الدستور ومقتضيات القانون. الممكن الوحيد والمتاح بين جماعات تشبه الجائحات، هو التسوية. التسوية هى تنازل متبادل، من أجل المشاركة فى المكاسب.. لبنان الطائف «شرحو». ذروة الانتهاز، وفى مقام التشظى وفى مكانة الدويلة. قبل «الطائف» كانت الدولة تحتضن الطوائف السياسية وتعطيها حصتها. بعد الطائف، صار لبنان محتلا من دويلات الطوائف أولا، وهذه الطوائف توظف عندها الدولة.

لا دولة فى لبنان. هى خيمة كراكوز. الدولة الموجودة حقا، هى دويلة الطائفة. والنظام يشبه دولة الدويلة. تقاسم مشترك، بتأييد جارف من قطعان الطوائف.

لنسأل: على ماذا يتفق اللبنانيون؟

يصعب إيجاد مرفق أو موقف أو حكم، أو سياسة ينطبق على نص دستورى، أو إلزام قانونى أو نصاب قضائى. يستحيل تبديل قاعدة الاشتراك فى السرقة والهدر والنفاق. يصعب التراجع عن الفساد. من نافل القول أن تكون سياسة لبنان الخارجية، واحدة. لكل دويلة سياسة خارجية خاصة ومبرمة. السعودية مرجعية، وكذلك دول الخليج. إيران مرجعية أيضا، كما كانت مصر عبدالناصر مرجعية. أمريكا ومن معها، بما فيها إسرائيل، مرجعية. نعم إسرائيل. لا تتعجبوا كثيرا. إن لإسرائيل موطئ قدم سياسيا، يلتقى مع أمريكا.. ولبنان هو تحديدا، أمريكى، سعودى، خليجى، إيرانى، و… إسرائيلى. وإياكم أن تتهربوا، إسرائيل لها من يواليها، بجميع القرارات الدولية.
ما حدث فى «موقعة الجمل»، «مساء 6 و6»، ليس إنذارا أبدا، إنه عادة قديمة متجددة. لم تغب ثقافة الفتنة بعد. هذا تاريخ متأصل فى ثقافة الفريقين، مهما بالغت البيانات المتبادلة، من أجل درء الفتنة.
البقعة المضيئة فى واقع لبنان هى 17 أكتوبر. كيف يمكن حراستها من التلوّث؟ كيف يمكن صيانتها من الانزلاق. الطوائفية فى «6 و6» أدخلت الحراك فى نفق. أمام الحراك سؤال: من نحن. يلزم تحديد هوية الحراك. نعم. من أنت أيها الحراك؟ هل أنت علمانى، مدنى، أم لا؟ إن كنت كذلك علمانيا، فأنت مُصان وقوى. السؤال التالى: ما الذى نستطيعه وليس ما الذى نريده؟ ما نريده حقا لنا، ولكن قد يبدو مستحيلا وسط التعقيدات الداخلية والتداخلات الإقليمية. تقتضى المثالية الثورية النقية، الكثير من الوعى لمعرفة خريطة الطريق مهما طال الزمن.
لا أمل للبنان، لكى يصير لبنانيا، إلا إذا سلك طريق المواطنة، وليس انزلاقات المواطفة.
بانتظار جمهورية 17 أكتوبر، يدنا على قلبنا، وأعيننا صوب الآتى، وخوفنا من الماضى.
مرة أخرى.. إلى اللقاء فى الساحات قريبا؛ كى لا يرثنا فى ما بعد الخراب والجوع والموت.. الموت عن جد، وليس مجازا. ما حولنا فى المنطقة صورة مفزعة ومفجعة.


النص الأصلى: هنا

التعليقات