فَـــرشَة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الخميس 7 يوليه 2022 3:55 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

فَـــرشَة

نشر فى : الجمعة 13 مايو 2022 - 8:05 م | آخر تحديث : الجمعة 13 مايو 2022 - 8:05 م

خلال ثوانٍ مِن الصَيحةِ المُحذِّرة ظَهَر الرصيفُ واضحًا، واختفت الأجسادُ المُتلاصِقةُ التي كانت تحجِبه وتنفي وجودَه. تبدَّل المكانُ وصار به مُتَّسَع للعابرين، لكنه بدا أيضًا مهجورًا فاقدًا أُلفتَه المَعهودةَ، وقد راح المُتوافِدون عليه يتساءلون أين ذهب الباعةُ زُمرةً واحدةً؟ أين فَرشَة أم أيمن وأم إسلام وأمينة؟
• • •
بعد قليلٍ زالت الغُمَّةُ وعادت المياهُ إلى مَجاريها، واستأنفت السوقُ نشاطَها؛ فتراصَّت الفرشات وتعالت عباراتُ المُساوَمةِ، وتواترت عملياتُ البيعِ والشراءِ وعُقِدَت الاتفاقاتُ بالتراضي بين أطرافِها. لفَرشَةِ الخُضرواتِ الطازجةِ والفاكهةِ مُريديها، ومثلهم لفَرشَةِ الجُبن الفلاحي والبيض وخُبز البتاو والفَطير، ولكلّ أم أيمن زبائنها الذين لا يتخلون عنها مهمًا طاردتها حملاتُ البلديةِ، ومهمًا تقلَّبت بها الحياةُ وناولتها ما توفَّر مِن اللطمات.
• • •
فَرشَةٌ مُختلفة المُحتوى تنتشر في مناطق مثل العتبة ورمسيس، لا تفصِلُ بين واحدةٍ وقرينتها سوى أشبارٍ قليلة، وربما تنعدم الفواصلُ بينها فتصبح الفرشاتُ شبه مُتصلَة، وتجمَع ما قد يخطر بالبالِ؛ لُعبَ أطفالٍ خفيفة، حُليَّ مُتواضعَ القيمةِ، مَشابكَ شعرٍ وشرائطَ مُلونةٍ وأدواتِ حِلاقة، علبَ ثقابٍ وإبرَ وخيوطَ، مَسابح وشموعَ وبخورَ ومفكات، وغيرها من مُنمناتٍ لا يكاد بيتٌ يستغني عنها. أصحابُ مِثل هذه الفَرشة أنواعٌ وأجناسٌ، بعضُهم مواطن أصيل؛ ضاقت به الأحوالُ وتعسَّرت، والبعضُ الآخر لاجئ؛ اضطُرَّ لمُغادرةِ مَوطنِه بعدما لفظته الظروف وأفقدته مَنابعَ الأمان. تتعرَّضُ فَرشَةُ "كلُّ شَيء" بدورِها إلى حملات يقودها مَسئولو الحيّ. تضطرِب الأجواءُ وتتعكَّر، تتبعثر الأشياءُ هنا وهناك، يفزُّ الفارشون من أماكنِهم، يَجمعون ما طالت أيديهُم، ويُطلقون سيقانَهم للريح في مُحاولةٍ يائسةٍ للحفاظِ على رأسِ المالِ الوحيد الذي يَملِكون.
• • •
الفَرشَةُ اسمُ مرَّةٍ من الفِعل فَرَشَ، أي مَدَّ وبَسَطَ. فَرشُ البيتِ بتسكين الراء يعني تزويدَه بالأثاثِ، وفَرشُ الغطاءِ يعني فَرده، أما الفِراشةُ بكسر الفاء فمُصطلح يُشير إلى تلك المَقاعد الخفيفةِ والمناضدِ الصغيرةِ التي تؤجر للاستخدامِ في مُناسباتٍ عابرةٍ ثم تُزال؛ مآتمٌ تُنصَبُ في الشوارع إن شحَّت القاعاتُ، أفراح تُقامُ في مناطقٍ مُتوسطةِ الحال، سُرادقات انتخابية تدوي بين أركانها مُكبراتُ الصَّوتِ وتبرقُ الزينات، خيماتٌ حافِلةٌ بمواد غذائيةٍ مَدعومةٍ لكنها فقيرةُ الجَوْدة، توضَع في أمكنةٍ ينوءُ أهلُها بعبءِ الاحتياج.
• • •
البضائع أنواعٌ؛ أجَلّها المَقروء. فَرشَةُ الكُتُبِ لها في القلبِ مكانٌ مَحفور؛ لا أمرُّ ببائعٍ رصَّ أمامه مِن الأغلفةِ أصنافًا إلا وتوقفت مَنزوعةَ الإرادةِ، ومكثت دقائقَ قد تمتدُّ بعضَ الأحيان لساعات؛ أجولُ بين العناوين وأقلب الصَفَحات. الوَرقُ جاذِبٌ والقارئُ الشغوفُ مَجذوبٌ وفي الفَرشَةِ سحرٌ عجيبٌ لا يقاومه عاشِق.
• • •
إذا مَهَّد المَرءُ لحديثِه، فدبج مُقدمةً يستبق بها موضوعًا شاقًا وثقيلًا، قيل قد أعدَّ فَرشَةً بكلامِه؛ تُخفّف على السامِع ِوَقعَ الآتي وتُهوّن وطأتَه، وتجعله أقربَ إلى الاستيعابِ والقبول، وإذا نسَّق الواحد شَعرَه فثمَّة حاجةٌ إلى مشط أو فُرشاة؛ والأخيرةُ أداةٌ مُتنوعةُ الاستخدامِ، منها ما يساوي شَعرَ الرأسِ طويلًا كان أو قصيرًا، وما ينظّف الأسنانَ، وما تُكنَسُ به الأرضُ أو تُطلى الجُدران، وما تُفرَك به الملابسُ وتُحَكُّ الأحذيةُ؛ فينزاح عنها التراب. وظائفُ الفُرشاةِ عديدةٌ، وكفى بها أحجامًا وأطوالًا ومَلامِس، يعرفها هؤلاءُ المشتغلون بحقلِ الفنّ التشكيليّ حقَّ المَعرِفَةِ، ويُدركون أنها تحتاجُ وحدها إلى صَفَحات.
• • •
ثمَّةُ فَرشَةٌ تُريح العِظامَ أثناءَ الجُّلوس، وأخرى لحمايةِ ما تحتها مِن كساءٍ ثمين، وثالثةٌ لعزْلِ الجِّسمِ عن الحرارةِ وامتصاصِ العَرَق. قد تكونُ الفَرشةُ رَخيصةً بسيطةً لكنها مُريحة، وربما تأتي باهظةً لكنها تؤرق الجالسَ وتوجعه. سَمعتُ حكاياتٍ كثيرةً عن "الفرش الجديد"؛ يطلبه أهلٌ العروسة في المَناطق الريفية، فيبالغون في التقدير. على السيارةِ المَكشوفة أن تطوفَ الطُرقاتِ مُحمَّلةً بالمطلوبات التي تكفي لفرشِ أكثر مِن بيت، فإذا عجزَ العريسُ عن الوفاء، فشلَ مَشروع الزواج. المُجتمع حاكِمٌ والمُباهاةُ تجُبُّ الرزانةَ وإشباع الذاتِ يتوقَّف عند المَظاهِر وحدها.
• • •
إذا أحسنَ شخصٌ لقاء آخر فأكرمه وجاد وكان سخيًا كثير الرماد؛ قيل قد فرش له الأرضَ وردًا. الوَرد ذو مكانةٍ خاصة، لا تقتصر دلالتُه على الإسرافِ في الاحتفاء، بل تمتد إلى مَشاعرِ الوِدِّ المَكنونةِ والمَحبَّةِ الصادقة، وأكم مِن فَرشٍ قد تُغطى به الأرضُ وتعلو قيمتُه قيمةَ الورد، لكن مَغزاه يظلُّ محدودًا.
• • •
فَرشُ الملاءةِ تعبير شائع مَعروف، يُطلَق على وَصَلاتٍ كلاميةٍ مَسموعة، تقوم خلالها امرأةٌ بتقريع أخرى وفضحِها وتشويهِها، وأحيانًا ما يكون المَقصود رجلًا. الفعلُ أقربُ إلى مُباراةٍ يتسيدها الأعلى صوتًا والأبلغُ تعبيرًا، وينتصر فيها الأطولُ نفَسًا والأثبتُ جأشًا.
• • •
في الحوارِ الآنيّ الدائر بين بلدانِ العالم ما يُشبه تلك المُباراياتِ الشعبيةِ المُثيرة. الملاءاتُ مَفروشةٌ والفَرشةُ واسعةٌ، والوسع يتزايد حتى ليغدو الخطابُ مثل شَبَكَةٍ مَثقوبة، تعبُر منها حجارةٌ عشوائيةٌ تُصيبُ وتُهشِّم. المُشاهدةُ مُمتعةٌ أما النتائجُ فربما تصبح وَخيمة.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات