ليلة «القرنقعوه» - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2020 2:11 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ليلة «القرنقعوه»

نشر فى : الأربعاء 13 مايو 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 مايو 2020 - 9:20 م

يرتبط شهر رمضان المبارك بمجموعة من العادات والتقاليد المحببة وإن اختلفت بين بلد وآخر وشعب وآخر فى بعض التفاصيل، فإذا كنا فى مصر نشتهر بالفوانيس والقطايف والكنافة، فإن منطقة الخليج العربى التى عشت ردحا من الزمن وسط أهلها الكرام، تتميز بعض دولها بليلة القرنقعوه أو «القرنقعان«، وهى موروث شعبى يتم احياؤه عادة فى ليلة منتصف الشهر الفضيل لتوزيع البهجة على الصغار والكبار.

«قرنقعوه قرقاعوه عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم يا مكة يا المعمورة يا أم السلاسل والذهب يا نورة عطونا من مال الله يسلم لكم عبدالله»، على وقع مثل هذه الأهازيج الشعبية، يطوف الأولاد الصغار على بيوت الحى أو «الفريج» وهم يحملون حول أعناقهم أكياسا من القماش ذات رسوم تراثية مبهجة، ليضعوا فيها ما يحصلون عليه من الحلوى والمكسرات التى تكون العائلات قد أعدتها لهم خصيصا، فى تقليد متوارث عبر الأجداد يقال إنه كان يتم لمكافأة الصغار على صومهم.

ووسط فرحة الصغار الذين يرتدون ملابس تقليدية زاهية خاصة بالمناسبة، يتواصل الطواف على بيوت الحى الذى يسكنه عادة الأقارب والأصهار، وعلى وقع قرع الطبول التى يحملها الأكبر سنا فى بعض الأحيان، يجرى تنبيه أصحاب المنازل بوصول موكب «القرنقعوه» إلى عتبات أبوابهم، فيخرجون إلى الصغار حاملين ما لذ وطاب من الحلوى الشعبية والمكسرات المتنوعة، فى تقليد يستهدف الحفاظ على الموروث الشعبى ومنع اندثاره مع هجمة وزحف المدنية الحديثة التى زرعت أبراجها الشاهقة، وجاءت بأحدث مخترعات العصر إلى عمق الصحراء.

خلال فترة عملى بالخليج شدنى تقليد «القرنقعوه» وحاولت تتبع جذوره ومن أين جاء؟، وحسب ما شرح لى عدد من الأصدقاء من مثقفى الخليج تعتبر ليلة القرنقعوه مناسبة دينية واجتماعية متوارثة بدأت نشأتها فى صدر الإسلام وتحديدا فى المدينة المنورة، والهدف منها جعل الاطفال يعتادون على التعارف، ويكتسبون مهارة التواصل الاجتماعى مع الأهل والجيران.

كما تتعدد المسميات وتوقيت الاحتفال بهذه الليلة من دولة خليجية لأخرى، ففى الإمارات يطلق عليه «حق الليلة» وتكون فى الخامس عشر من شهر شعبان، وتقام احتفاء بقرب قدوم شهر رمضان، فيما تحتفل بقية دول الخليج بهذه المناسبة فى الخامس عشر من رمضان، وتسمى فى البحرين وقطر والسعودية بـ«القرنقعوه»، أو«القرقيعان» حسب المنطقة، أما فى سلطنة عمان فهى ليلة «القرنقشوة».

ويقول البعض إن القرنقعوه أو القرقيعان هو مصطلح شعبى يطلق على السلة الكبيرة المصنوعة من سعف النخيل، والتى توضع بداخلها المكسرات قبل توزيعها على الأطفال، وذكر البعض الآخر أن أصل القريقعان أو القرقاعون فى تسمية ثالثة هو «قرّة العين»، وفى رأى ثالث «القرنقعوة أو القرقيعان» تعنى الشىء المخلوط متعدد الأصناف من المكسرات والحلوى»، أو «أنها مشتقة من القرقعة، أى الصوت الناتج عن ضرب الأوانى المعدنية الحاوية للحلويات والمكسرات».

الاختلاف فى المسميات وأحيانا فى توقيت الاحتفال بالقرنقعوه يحمل أيضا فى طياته تباينا فى الأهازيج التى تقال، ولأن الإمارات تحتفل بالمناسبة فى النصف من شعبان يغنى الصغار: «إنطونه حق الله..يرضى عليكم الله ...جدام بيتكم دله..عسى الفقر ما يدله..جدام بيتكم وادى..والخير كله ينادى..أعطونا من حق الله»، وفى السعودية التى تحتفى مناطقها الشرقية بليلة القريقعان، يذكر اسم شهر رمضان صريحا فى الأهازيج ونسمع كلمات من نوع «قرقع قرقع قرقيعان..أم قصير ورمضان..عطونا الله يعطيكم..بيت مكه يوديكم».

وفى سلطنة عمان التى تحمل الليلة اسم القرنقشوة يردد الأطفال «قرنقشوه يوناس..عطونا شوية حلوى..دوس دوس فى المندوس.. حاره حاره فى السحاره»، ولا يختلف التعبير بالفرحة بشهر رمضان فى الكويت عن الدول الخليج الأخرى حيث يصدح الصغار «قرقيعان وقرقيعان بين اقصير ورمضان.. عادت عليكم صيام كل سنة وكل عام.. يالله تخلى ولدهم يالله خلى لأمه يالله.. عسى البقعة ما تخمه ولا توازى على أمه».

وقد حظيت ليلة القرنقعوه، أو أيا كانت التسمية، بالجدل والخلاف بين من يرونها احتفاءً تقليديا بمنتصف شهر رمضان، وبين من اعتبروها «بدعة لا أصل لها فى الإسلام (وكل بدعة ضلالة) فيجب تركها والتحذير منها ولا تجوز إقامتها فى أى مكان»، غير أن الاحتفالية صمدت فى وجه دعاة التحريم، وتمسك بها ابناء الخليج العربى كموروث شعبى راسخ، يتجدد الاحتفاء به كل رمضان، ربما باستثناء هذا العام بسبب فيروس كورونا اللعين، ندعو الله أن يرفع عنا البلاء وتعود أوطاننا للاحتفاء بأكرم الشهور.. وكل عام وأنتم بخير.

التعليقات