فنون الكهف - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 12:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


فنون الكهف

نشر فى : السبت 13 مارس 2021 - 8:05 م | آخر تحديث : السبت 13 مارس 2021 - 8:05 م

كان سمير مرافقا لأبيه الرسام الكبير حامد عبدالله حين زار كهوف ومغارات جنوب فرنسا الأثرية فى غضون عام 1974. أثرت فيه تشكيلات هذه الكهوف بردهاتها ومنحوتاتها الطبيعية ونقوشها وتكويناتها العجيبة، كما حدث مع غيره من الفنانين العظام أمثال كاندينسكى وبيكاسو وميرو، فكانت مرحلة جديدة من أعماله استمرت حتى 1978، رسم خلالها مجموعة «أهل الكهف» المعروضة حاليا لأول مرة ضمن أعمال فنانين آخرين فى تظاهرة بعنوان «مؤنث» مستمرة حتى مطلع أبريل فى الدور الأول من 20 شارع عدلى. اكتشف ابنه المخرج سمير عبدالله ــ الذى يعيش بباريس ــ وجود هذه اللوحات بمحض المصادفة فى حوزة ابن عمته بالقاهرة، الذى لم يكن يعرف أن تلك اللفافة التى أعطاه إياها خاله قبل نحو ستة وثلاثين عاما كانت تضم مجموعة من الأعمال التى اختارها الرسام ليقدمها فى معرضه القادم، لكن القدر لم يمهله الوقت إذ اختطفه الموت بسبب مرض السرطان اللعين بعدها بقليل فى منتصف الثمانينيات.
ندخل إلى القاعة على ضوء الشموع لنكتشف لوحات «أهل الكهف» المنفذة بالأبيض والأسود، بالأكريليك ووسائط متعددة على الورق. الفنان الذى كان يعيد اكتشاف معنى كلمة «مقدس» عند سكان البلاد التى زارها أو عاش فيها ــ إذ ترك مصر فى منتصف الخمسينيات هربا من تقييد الحريات ــ سعى دوما للبحث فى الكتب والنصوص القديمة. كان يشعر بنشوة عند وجود تشابه بين الأديان ويستشهد كثيرا بالكتابات المقدسة من القرآن وحتى عهد الفراعنة، ويردد مقولة القديس يوحنا فى الإنجيل «فى البدء كانت الكلمة»، لذا حاول تطوير تصوره عن «الكلمة الخلاقة» واهتم كثيرا برمزية الخط العربى وإعادة صياغة الحروف داخل اللوحة. أغنى فضاء العمل الفنى بوحدات هندسية تجريدية ليرسم أحيانا أشكالا تشخيصية بطريقة غير مباشرة، كما نلاحظ فى المعرض الحالى من خلال اللوحات المستلهمة من نقوش أهل الكهف وتكوينات المغارات الأثرية، مستخدما بعض الآيات القرآنية من سور الأعراف والتوبة ويس والكهف والجن والحديد وغيرها.
***
كانت زياراته المختلفة فى أوروبا حيث أقام تدفعه معظم الوقت إلى إنجاز مجموعة جديدة من اللوحات، ينحنى أمام فسيفساء إحدى كنائس مدينة باليرمو مثلا أو يقع فى غرام قطعة من الفخار الفارسى أو ينغمس فى دراسة أماكن العبادة الإسلامية وما يزينها من كتابات ونقوش أو يستلهم بعض الرسوم الجدارية التى تركها أهل الكهف... كل ذلك يُحدث فيه تأثيرا عميقا ويجعله يستدعى موضوعات قديمة ويعيد صياغتها أو التفكير فيها، مع براعة فى الربط بين الماضى والحاضر. فترة السبعينيات تحديدا كانت من الفترات التى كان يرسم فيها كثيرا، هربا من الاكتئاب، فالظروف السياسية منذ هزيمة 1967 أصابته بغصة، ثم تصاعد الشعور بالمرارة مع موت عبدالناصر واتباع السادات لسياسة الانفتاح الاقتصادى التى أسماها الفنان التشكيلى «الانفشاخ» وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد وتغير المجتمع المصرى ونزوعه إلى الانغلاق والتشدد.
أراد حامد عبدالله من خلال استخدامه للآيات القرآنية أن يبعث برسائل مختلفة تعبر عن مفهومه هو للدين والتسامح والرحمة والعدل ودور الحاكم. ومثله مثل توفيق الحكيم الذى نشر مسرحية «أهل الكهف» فى مطلع ثلاثينيات القرن الفائت، أعجبته فكرة وجود قصة أهل الكهف فى القرآن الكريم وفى تاريخ المسيحية، إذ تقول الحكاية إن نفرا من المسيحيين الأوائل هربوا من بطش إمبراطور الرومان الوثنى المتعصب دقيانوس الذى حكم بين 249م و251م، ولجأوا إلى كهف ناموا فيه مئات السنين، ثم بُعثوا إلى الحياة فى عصر الإمبراطور تيدوسيوس، وكان رجوعهم إلى الحياة استجابة لدعاء هذا الأخير الذى طلب من ربه أن يعطيه برهانا على حقيقة البعث.
أخذ توفيق الحكيم بما ورد فى القرآن فجعلهم ينامون ثلاثة قرون وبضعة أعوام، لا مائتى سنة كما ورد فى التاريخ المسيحى، وحاول أن يناقش فى مسرحيته الذهنية صراع الإنسان مع الزمن، من خلال فكرة رجوع أشخاص إلى مكان ما بعد غياب وقد كان لكلٍ منهم علاقات وصلات اجتماعية إلى ما غير ذلك، وهو أيضا ما فعله الفنان حامد عبدالله بشكل أو بآخر حين زار بلاده التى تركها وعاد إليها فى السبعينيات ليرصد ما أصابها من تغيرات.
***
دخل إلى الكهف ليتأمل وينفرد بنفسه، كما نحتاج نحن جميعا، وبما أنه امتلك سمات جيل مغاير فى تمرده وثقافته فلم يكن يمارس الرقابة على الذات ولا يترك مجالا لقمع الأفكار، بل حرره فنه من كل ما قد يكبل الآخرين. نشاركه الدخول إلى الكهف للحظات خلال زيارة المعرض، الذى تنظمه جهات مختلفة منها فوتوبيا و«أرت دى إيجيبت»، ونخرج بشعور مختلف على ضوء الشموع.

التعليقات