«صليب موسى».. رواية المساحات البيضاء! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 29 نوفمبر 2020 1:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

«صليب موسى».. رواية المساحات البيضاء!

نشر فى : الجمعة 13 مارس 2020 - 11:40 ص | آخر تحديث : الجمعة 13 مارس 2020 - 11:40 ص

ما لفتَ نظرى حقا فى هذه الرواية الجيدة ليس فقط إحكام حبكتها وتفاصيلها، ولا حتى مشهديتها الواضحة بحيث يسهل بالتأكيد تحويلها إلى فيلم سينمائى مشوق، ولكن لفتنى بشكلٍ خاص الفكرة وراء النص، وترجمة البناء كله للفكرة، التى لا تنكر وجود التاريخ، ولكنها تؤكد وجود ثغرات وأكاذيب بين سطوره، لا يرفض الكاتب ما تقوله الروايات، ولكنه يدعو إلى فحصها، التاريخ فى هذا النص ليس نقلا أوتوماتيكيا للحكايات لأنها تريحنا، ولكنه مغامرة خطرة، تحتاج إلى جهد صعب وشاق.
رواية «صليب موسى»، لهيثم دبور، عن دار الشروق، يمكن تصنيفها من حيث الشكل بالعمل البوليسى التاريخى، فهناك جريمة قتل معاصرة، ولكن حل القضية غير ممكن بدون العودة إلى التاريخ، وبدون ربط الرموز القديمة بسياقها، وهناك بالضرورة تفاصيل دينية بحكم عمل الضحية، وبحكم مكان الجريمة.
كتابة صعبة بالتأكيد، وخصوصا مع وجود نماذج عالمية معروفة كما فى «شفرة دافنشى» و«اسم الوردة»، ومخاطر الفشل كبيرة أيضا، حيث يجب أن تمتزج طبقات الجريمة بالدين والتاريخ، فى سبيكة واحدة متماسكة.
إلى حد كبير تحقق ذلك فى الرواية، فهناك جهد واضح فى استقصاء المادة التى تتعلق فى جزءٍ كبيرٍ منها بدير سانت كاترين، وكنائسه، ومخطوطاته، ورهبانه، وطقوسهم.
القتيل هو الراهب اليونانى بافلوس المسئول عن مكتبة الدير، وسبب القتل الوصول إلى شىء ما فى مكان ما داخل الدير، ومعظم الأحداث داخل المكان، الذى استغل السرد كل جزء فيه تقريبا، وسر الخبيئة وموضعها لا يظهران إلا فى سطور الرواية الأخيرة، والصراع يدور من خلال شخصيات متعددة المهن والمواقع: مصور محترف، باحثة فى شئون البيئة، بدوى غريب الأطوار، رجل يمثل جهازا أمنيا، رئيس مدينة سانت كاترين، رهبان وقساوسة، ومؤرخ يعيش فى تركيا.
نجح المؤلف فى تضفير الخطوط البوليسية والتاريخية والدينية معا، ونجح أيضا فى ضبط الانتقالات المعاصرة والقديمة، من خلال التوظيف الجيد لمشاهد العودة إلى الماضى أو الفلاش باك، والتى هى أصلا تقنية روائية استفادت بها السينما، وليس العكس.
ولكن نجاح هيثم دبور الأهم كان فى ربط هذا البناء بفكرته المحورية، حيث نكتشف تدريجيا أن ما ترسخ باعتباره تاريخا مسلما به، ليس كذلك على الإطلاق، وأن رحلة البحث عن قاتل أو قتلة بافلوس، ستقود إلى مواجهة حقائق أكثر تعقيدا، وأن الصور التى تركها بافلوس بألوانها الوردية فى حاجة إلى استكمال بألوان ثلاثة إضافية هى السيان (الأزرق)، والأصفر، والأسود.
كل فصل يحمل اسما من الألوان الأربعة التى لا بديل عنها لكى نرى صورة بألوانها الكاملة، وعندما تكتمل فصول الرواية تكتمل الصورة، ونعرف حقيقة ما حدث.
يبدو لى أن المعنى اللامع للحكاية بأكملها فى وجود جريمة أكبر من جريمة قتل بافلوس، إنها جريمة عدم مواجهة الماضى، وعدم مواجهة الحقيقة، مهما كانت النتائج.
الشخصيات أيضا حقيقتها مراوغة، والمعلومات عن ماضى المصور، الذى أصبح منظما لرحلات سياحية، وكذلك المعلومات عن خبيرة البيئة الأجنبية، ستساهم فى كشف اللغز كاملا، ورغم معرفة المصور بالحقيقة فى السطور الأخيرة، فإنه يتحفظ فى الإعلان عن كل شىء، كما كان يفعل من قبل، مؤمنا من جديد بخطورة أن تعرف، وبخطورة أن تنقل كل ما نعرف.
هذا البناء الخيالى للشخصيات والأحداث يقوم على معلومات صحيحة، فالوضع الحقيقى للدير وظروفه عبر التاريخ ليس بالرسوخ والاستقرار الذى نعرفه، والصورة الحقيقية متعددة الألوان، تختلف عن الصورة ذات اللون الواحد، ومن خلال لعبة الظاهر والباطن، والأصلى والمستعار، تنشأ لعبة سردية مشوقة، بنفس الدرجة الذى تنشأ فيه فكرة إعادة النظر فى السائد والمتعارف عليه، وينفس الدرجة التى يراد بها بذل الجهد فى البحث والتحقيق، حتى لا يتسلل عمى الألوان من بافلوس إلى قارئ التاريخ.
المعنى ليس بعيدا كذلك عن فيلم كتبه هيثم دبور هو «عيار نارى»، والذى يعيد بناء الحكاية من جديد، من خلال افتراض وجود حقيقة أخرى، والذى يتساءل عن مدى قبول الإنسان لحقائق مخالفة تهدم ما ظنَه حقيقيا من قبل، وكانت الإجابة بأن قليلين يمكنهم مواجهة ذلك، وأقل منهم يمتلكون شجاعة الإعلان عما اكتشفوا من حقائق.
«صليب موسى» تنويعة أكثر تعقيدا على المشكلة ذاتها، وهى أيضا تنتهى بأن نعرف نحن القراء الحقيقة، دون أن تتحقق المعرفة الكاملة المعلنة على مستوى الشخصيات، فكأنها دائرة مفتوحة دائما، وكأن التاريخ سيبقى دوما بمساحات بيضاء، لم نبحث أصلا عن حقيقتها، أو بحثنا وعرفنا، ولكننا آثرنا أن نتركها بيضاء.

التعليقات