صراع الأبطال - محمود قاسم - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 4:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

صراع الأبطال

نشر فى : الجمعة 13 مارس 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الجمعة 13 مارس 2020 - 9:40 م

شاهدت هذا الفيلم لأول مرة فى ظروف لا تنسى، وذلك فى شهر يوليو عام 1963، فى مناسبة الاحتفالات بعيد ثورة يوليو، فتحوا أبواب سينما فريال بالإسكندرية، للناس لمشاهدة الفيلم بالمجان، وسينما فريال كانت بالنسبة لنا نحن الصبية سينما درجة أولى، ونحن الذين اعتدنا على السينما الترسو، وقد بدا الفيلم بالنسبة لنا نحن المشاهدين المجانين غريبا جدا فى موضوعه الكئيب، لا يتناسب مع بهجة الاحتفال بالثورة كما سقوها لنا، نحن أبناء هذا الجيل، وعندما شاهدت الفيلم هذا الاسبوع، وعرفت أن المنتج هو واحد ممن كتبوا السيناريو: عز الدين ذو الفقار الذى كان بالتقريب فيلمه الأخير كمنتج أدركت السبب، فالرجل كان من أكثر الناس إيمانا بالثورة سواء فى افلامه، كمخرج أو ممثل أو منتح، وقد قوبل الفيلم باحتفاء كبير جدا من نقاد زمانه، المؤمنين بالثورة، خاصة أنه يقوم بإدانة النظام السياسى لما قبل الثورة، فالفيلم تدور أحداثه فى إحدى القرى المصرية إبان وباء الكوليرا1947، وهو موضوع يتناسب مع الظروف العالمية والمحلية.
قبل التعرف على الفيلم الذى قام ببطولته شكرى سرحان وسميرة أحمد ونجمة ابراهيم، فإننى تحدثت يوما مع المخرج توفيق صالح أن العمل مقتبس عن فيلم أمريكى، مأخوذ بدوره عن رواية سبق للسينما المصرية أن قدمتها فى فيلم باسم «عاصفة على الريف» 1941، وأن السينما الأمريكية قدمته قبل عام فى فيلم قام ببطولته روك هدسون، فكان رده أن السيناريو عندما وصل إليه، لم يكن يعرف تلك المعلومة، وأنه عرف ذلك بعد فترة من الزمن.
يجب الإشارة أن قصة الفيلم كتبها ثلاثة أشخاص: هم عز الدين ذو الفقار، وعبدالحى أديب، ومحمد أبويوسف، وقام المخرج كعادته بكتابة السيناريو، اما الحوار فقد اشترك فى كتابته صبرى عزت، كما جاء فى عناوين الفيلم دون الإشارة إلى أى علاقة بالمصدر الأمريكى
على كل.. نحن امام فيلم وطنى الهدف منه انتقاد تلك الفترة من تاريخ مصر، وبالنسبة لنا الآن فهو عن وباء، ينتشر فى القرية، والطبيب القادم إلى القرية، يقف بشكل فردى من أجل اكتشاف الوباء ومقاومته وسط بيئة اجتماعية شديدة التخلف والرجعية، والانتهازية، ويعزو الفيلم السبب فى الاصابة بالكوليرا إلى الرابيش، الذى يتناوله الناس كطعام اجبارى، وهو عبارة عن بقايا الطعام الذى يتم إخراجه من معسكرات الانجليز، رغم أن الفيلم لم يذكر قط أن الجنود أصابهم أى مرض أو عدوى.
فى البداية يتصور الطبيب شكرى أن الحالة التى عالجها هى بلاجرا، أو ضعف بسبب الفقر الغذائى، وهو يعرف أن الوباء مرض ينتشر بالعدوى، ويعلن لصديقه ضابط الشرطة أن العدو الأساسى له هو الميكروب الذى يحاربه، والخصوم الذين يعترضون طريقه متعددين منهم الدجالة التى أثر وجود الطبيب فى القرية على رزقها، أنها الداية، كما أن عادل ثرى القرية يقف ضد الطبيب، وهو الذى اتفق مع الانجليز على توزيع الرابيش جبرا، ومثلما أن للطبيب رسالة بقتل الميكروب فإن عفاف المدرسة تتزوج من شكرى، فى ظروف مأساوية، ومن خصوم الطبيب أيضا مدير الصحة الذى يستفيد من استتباب الأمور، وهنا يتوحد الخاص مع العام حين تسانده عفاف بعد الزواج منه، فكل الظروف تقف ضد الطبيب، خاصة أن التحاليل تأتى على غير ما ينتظر.
نحن أمام شخص واحد يقف أمام الجميع، ويؤمن برسالته كطبيب مهما تعرض للضغوط، فالقرية هى البيئة المناسبة لانتشار الوباء، وقد توقف السيناريو عند الرابيش كسبب رئيس للوباء باعتباره، من مخلفات الاستعمار، دون أن يشير إلى أسباب أخرى منها النظافة، ولم يقدم الفيلم حلا للموضوع، فكل ما كان يهم الطبيب ان يكتشف المرض، أما الحل الذى قدمه الفيلم فهو أن الدولة أرسلت فريقا طبيا لمحاصرة الوباء، بعد أن صدر قرار بمنع مغادرة القرية ومقاومة من يحاول أن يفعل ذلك وهنا فقط قرر شكرى أن يصحب معه زوجته التى تزوجها فى ظروف غريبة، ثم ابتعد عنها عندما جاءته الوشايات أنها مازالت على صلة بحبيبها السابق عادل، وصار عليه أن يذهب إلى مكان جديد.. وحسب الفيلم فإن مواقف الطبيب ساعدت فى تحويل خصومة إلى متكاتفين معه يساعدونه، ومنهم الاقطاعى عادلى، وايضا الداية التى انقذ الطبيب ولدها من الموت الموت المؤكد.
بالطبع نحن نتحدث عن الفيلم بمناسبة الظروف التى تحوطنا عربيا وعالميا، وموضوع وباء كورونا، لكن الفيلم يتوقف عند ظهور الوباء فى قرية صغيرة بالدلتا، رغم أن فيلم «اليوم السادس» ليوسف شاهين تحدث عن الوباء نفسه فى القاهرة البالغة الضخامة، ورحلة الجدة صديقة مع حفيدها عبر نهر النيل حيث تخف حدة الاصابة.

التعليقات