شباب يِفرِح - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 10 أبريل 2020 1:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

شباب يِفرِح

نشر فى : الخميس 13 فبراير 2020 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 13 فبراير 2020 - 10:10 م

في الأسبوع قبل الماضي كتبت عن بعض شبابنا الذي لا يقرأ ولا يستفيد مما يتعلم وضربت لذلك مثلاً بطالب جامعي في البكالوريوس كان يظن أن فعل "بلوروا" هو اسم لأحد المفكرين، وزادني بعض الأصدقاء من الشعر بيتاً بل أبياتًا، أطرفها ما ذكره أحدهم عن طالب جامعي آخر تصور أن اسم المفكر المصري الكبير الدكتور مراد وهبة إنما هو عبارة عن اسمين لشخصين هما "مراد" و"هبة"!. لكن بما أن لكل صورة بعدٌ آخر وفي كل كأس نصف ملآن فمقال هذا الأسبوع سيكون عن نموذج لمجموعة مختلفة من الشباب، مجموعة تُفرِح القلب وتسر الخاطر تتكون منها مؤسسة اسمها: أبواب الخير.
***
كان هيثم التابعي صاحب مبادرة أبواب الخير طالباً متميزاً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، شاطر لكنه ليس الأول، حِرِك كما يقولون لكن بدون فهلوة، يلفت الانتباه لكن لا يزيغ النظر، وكان اجتماعياً يعرف كيف يجمع الناس من حوله، والخاصية الأخيرة صارت فيما بعد وسيلته لبناء مؤسسة أبواب الخير طوبة طوبة بأذرع مضفورة لخمسين شابةً وشاباً معظمهم في الفئة العمرية من ٢٦ إلى ٣٦ سنة ويعملون في مواقع مرموقة، بين هؤلاء الشباب يوجد ٦ من خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، هذه الكلية فيها حاجة حلوة.. حاجة حلوة جداً. تكلم يا هيثم.. تكلم واحكِ لي كيف بدأتَ وأين صرت، تكلم هيثم فقال: كانت نواة أبواب الخير في عام ٢٠١٣ عندما فكرتُ في أن عليّ أن أقوم بدور اجتماعي لمساعدة الآخرين، تحمسَت معي للفكرة هبة عصام إحدى خريجات الكلية، وبالتدريج توسع نطاق المؤمنين بالفكرة من الأهل إلى الأصدقاء ومن الأصدقاء إلى المعارف، في داخل الناس خير كثير يحتاج إلى مَن يحدد وجهته، وعندما تتوفر الثقة يعرف الخير طريقه. بدأَت المبادرة بباب واحد هو باب التكافل لتوفير الحياة الكريمة لغير القادرين، والآن صار لدينا ٦ أبواب للتعليم والشفاء والرزق والحلال والسعادة والإيجار، وبعد أن بدأ باب التكافل بأسرة واحدة قبل ٧ سنوات، فُتح هذا الباب أمام ١٨٢ أسرة وتحولت مبادرة أبواب الخير من فكرة تراود اثنين من الخريجين الشباب إلى مؤسسة مشهرة بشكل رسمي اعتباراً من عام ٢٠١٨. ومنذ اليوم الأول وضَعَت المبادرة لنفسها بعض المبادئ، منها ما يتقاطع مع مبادئ غيرها من المبادرات الخيرية ومنها ما لا يتقاطع معها، أبوابنا مفتوحة للجميع وخيرنا عابر ليس فقط للأديان لكنه عابر أيضاً للجنسيات وهناك أسر عربية كريمة تعبرُ بفضل الله بعضاً من أبوابنا، هذه النقطة بالتحديد لم يتفهمها الآخرون لكننا نعيد تشكيل مفهوم العمل الخيري وكل جديد يلاقي صداً في البداية ثم يروج. نشتغل على مضمون الخدمة وليس على انتشارها، نوفر غطاءً يدفئ وطعاماً يُشبِع وسقفاً يحمي ودخلاً يَستُر ونجتهد في حدود مواردنا. لا نتاجر بعوز أصحاب الحاجة ولا نظهر وجوهاً ولا ننشر أسماء، نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية لأنفسنا فهذا أوفر وأجدى.
***
بين العديد من قصص طارقي أبواب الخير السبعة استوقفتني في حَكي هيثم قصتان مؤثرتان، القصة الأولى لمطلقة انتقم منها طليقها بتشويه وجهها بماء النار، فإن كانت هي قررت ألا تكون له فقد قرر هو ألا تكون لسواه، يا الله! لماذا لا يفهم بعض الأزواج أن مشاعر زوجاتهم قد تتغير وأن العِشرة ليست شيكاً علي بياض؟ لماذا لا يدركون أن زوجاتهم لسن وقفاً عليهم ولا حبوساً، وأنهم بالنسبة لزوجاتهم ليسوا قدراً مقدوراً؟ أما السؤال الأخطر فهو لماذا يتسامح المجتمع مع هذه الفئة من الأزواج؟ في غمرة انفعالي بالقصة فاتني أن أسأل عن مصير هذا الزوج المجرم وأخشى جداً أن يكون حراً طليقاً. على أي حال كان على بطلة القصة أن تواجه مصيرها بملامح مشوهة وبلا أي موارد، انتقبت كخط دفاع أول يحميها من الشفقة والفضول، ثم طرقت باب الرزق فانفتح أمامها وأصبح لها دكان تتعيش منه مع طفلتيها، أما الأكثر تأثيرًا في قصتها فهو أنها بعد أن استقر وضعها المادي قليلاً طلبت أن تشارك بمبلغ رمزي في تمويل مؤسسة أبواب الخير، وشاركت فعلاً.. أصابت امرأة وأجرم رجل.
***
القصة الثانية لأسرة اضطرت للنزوح من منزل أهل الزوج بعد أن ضاق بهم جميعاً، اقترضت من أولاد الحلال لبناء بيت صغير جداً بالطوب الأبيض، ونفد القرض قبل أن تُسقف البيت وتفرشه فافترشت الأرض والتحفت السماء. لاحقاً أدركها أحد أبواب الخير فأتم لها ما نقص.. أثث البيت وجعل له سقفاً يحميه، دخلت الثلاجة بيت الأسرة البسيطة لأول مرة لكن المفاجأة أن الأم قررت ألا تستعمل هذه الثلاجة، قالت الأم في نفسها: الأيام تجري والمؤمل غيب وبنتي ذات الثلاثة عشر ربيعًا سرعان ما يخرطها خراط البنات وتتزوج، هي إذن أحق منّا بالثلاجة. أهذا منطق معقول؟ بلى فالأمومة لها حساباتها وقلوب الأمهات هواء. هوّني عليك سيدتي فما دامت للخير أبواب فغداً تكون لابنتك ثلاجة.
***
خمسون شابة وشابا في مؤسسة أبواب الخير يحملون هموم ذوي الحاجة على أكتافهم، لو أنهم اجتهدوا في أعمالهم ومنهم الصحفي والصيدلي والمصرفية لعددناهم مواطنين صالحين وما سألناهم المزيد، لكنهم من ذلك الفريق الذي يشعر أن مسؤوليته تتجاوز حدود عمله ويؤمن أن خير الناس أنفعهم للناس، فتَحية لكل فرد فيهم، تحية لدورهم في تقديم القدوة وتكوين النشء على فكرة العمل التطوعي. قال لي هيثم إن فريق العمل يستعين بأحد أطفال الأسرة لاختيار اللعب التي يوزعها باب السعادة على الأطفال في دور الأيتام والمستشفيات فليس أدرى بذائقة الأطفال من طفل مثلهم، هذا الطفل المتطوع هو مشروع "إنسان" بدون أي صفة مضافة، وكم صار عزيزاً أن يكون المرء إنساناً. أيها الشباب أحبكم جميعاً وأحب أبواب خيركم، هذه الأبواب التي تفتح على الأمل والبدايات الجديدة وتبشّر من لا سند لهم في الدنيا بأنهم من الآن فصاعداً لم يعودوا وحدهم.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات