الحوار مع المستقبل قبل الحوار مع الآخر - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 11:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

الحوار مع المستقبل قبل الحوار مع الآخر

نشر فى : السبت 12 أكتوبر 2013 - 9:20 ص | آخر تحديث : السبت 12 أكتوبر 2013 - 9:20 ص

يتسرب إلينا أن هناك حوارا يجرى بين الدولة والإخوان والحقيقة أن قواعد الحوار المتبعة والتى من خلالها يتنازل كل طرف عن بعض شروطه ليندمجا معا فى الحياة السياسية قد ثبت فشله لأنها عملية سياسية بحتة تكون الكلمات والجمل فيها بلا معنى أو تحمل أكثر من معنى، ليجرى تفسيرها بعد ذلك بقدر ما يمتلك أى طرف من قوة للضغط على الآخر، هذه النوعيات من الحوار مشبوهة ولا تتسم بالشفافية، أما الحوار الحقيقى الذى تلجأ له الشعوب هذه الأيام رغم الاختلافات المتباينة بينهم فهو الحوار حول المستقبل، أى على الأطراف أن يقدموا تصورهم عن المستقبل قبل الجلوس على مائدة الحوار.

المستقبل هنا كائن حى متحرك، هو صاحب اليد العليا وهو صاحب القرار، فهو الذى يختار الدول والأفراد الذين سوف يصحبهم ويصحبونه وأيضا هو الذى يختار الذين يتركهم من خلفه وهناك تعبير يوضح تلك الحركة الدائبة تجاه تحدى المستقبل يقول «اللحاق بالمستقبل» فالمستقبل كائن يركض متجها إلى الأفضل وهو يضع شروطه لكل من يريد اللحاق به أستطيع أن ألخصها فيما يلى:

أولا: الحياة داخل الزمن (العصر) وليس خارجه

فالدول والأفراد الذين يعيشون داخل الزمن ويتعاملون مع العصر هم أولئك الذين يحددون موقفهم بوضوح شديد بلا لبس من المستقبل، وهناك نوعيتان من البشر لا يعيشون زمانهم الأول هو من يستغرقه الماضى وأمجاده ويحاول إعادته والثانى من يعيش على هامشه، أما النوعية الأولى فهى التى ترى أن العصور الماضية هى العصور الذهبية وأن استنساخ وتكرار هذه العصور شكلا وموضوعا هو الهدف الأسمى للحياة، فالذين يتحدثون عن عصر الفراعنة أو عصر الخلافة... إلخ أو أولئك الذين يتحدثون عن عصر عبدالناصر أو السادات أو حتى مبارك يسيرون ووجوههم إلى الخلف، انهم أتباع الأصوليات الدينية فى كل دين والأصوليات فى كل مذهب سياسى، وهؤلاء يعيشون صراعا مع كل تفسير حديث أو تجديد دينى على أنه بدعة، أما أولئك الذين يعتبرون أن السيسى هو استنساخ لعبدالناصر وأن العصر الذهبى هو عصر ثورة 52 أو عصر السادات... إلخ فهؤلاء غير قادرين على القفز نحو المستقبل، لأنهم يتحاورون معا فى نظريات وأحداث، فالمنطق خاطئ أما المنطق الصحيح فهو أن يتفقوا على شكل المستقبل الذى يرجونه ثم يقدمون رؤيتهم فى كيفية دخولهم لذلك المستقبل، إن كل العصور السابقة فيها الإيجابى والسلبى والسير نحو المستقبل هو أن تقود السيارة دائما إلى الأمام والتاريخ هو ما تنظره فى المرآه، فإن نظرت طول الوقت فى المرآه سوف تتحطم والسيارة ومن معك، أما إن نظرت فى المرآه من وقت لآخر لضبط القيادة والسير بسلامة فى الطريق فأنت تلحق بالمستقبل.

أما الذين يعيشون على هامش العصر فهم أولئك الذين يأخذون من العصر كل ما هو هامشى فى السياسة أو الثقافة أو الفن أو الأدب أو الدين دون تفكير علمى أو نظرة نقدية ويتشدقون دائما أنهم مع العصر لكنك عندما تستمع إليهم تكتشف أنهم يفضلون الأغانى الهابطة والأدب الذى يتحدث إلى الغرائز والفن المثير... إلخ ويعتبرون أنهم يعيشون العصر ويتطلعون إلى المستقبل، إنهم فى حاجة لأن يقدموا تصورا للمستقبل قبل أن يتحاوروا مع الجادين القادرين على الفعل المدركين فعلا لمقومات المستقبل.

ثانيا: القبول بمبدأ التغيير

لأجل المستقبل

إن الذى يريد أن يلحق بالمستقبل عليه أن يقبل بمبدأ الحوار وهذا المبدأ ليس الجلوس وتبادل الحديث مع المختلف لكن القبول بمبدأ إمكانية التغيير لأجل المستقبل، بل إن ممارسة الحوار هدفها كيف نتغير معا لأجل المستقبل، أما الذين يعتبرون أنهم مبعوثو العناية الإلهية يتحدثون عن مطلقات ومقدسات هؤلاء لا يصلح معهم أى حوار فالمطلقات والمقدسات هى الوحى لكن كل شخص يجتهد واجتهاده قابل للنقاش والتغيير لذلك لا يملك إنسان على الأرض أن يحتكر التفسير للوحى بقوله على ما يفسره أنه رأى أو فكر الله إن مثل هؤلاء عليهم قبل بدء الحوار قبول مبدأ أنه يمكن أن يغيروا آراءهم إن ثبت عدم صحتها لأنها ليست مقدسة بل هى مجرد آراء شخصية إنسانية قابلة للنقد وعلى الطرف الآخر فى الحوار أن يكون لديه أيضا الاستعداد للتغيير، فالتغيير هنا ليس لأجل الآخر لكن لأجل المستقبل المشترك لذلك فهدف الحوار هو الوصول إلى ما هو أفضل للمتحاورين وليس الوقوف على أرضية مشتركة، لكن أن ننتقل من أراضينا الخاصة إلى أرض المستقبل معا، فأى رأى يتعارض مع المستقبل على الجميع أن يطرحه خارجا.

ثالثا: إن الحوار حول المستقبل حالة وليست مناسبات بتوقيتات

عندما نحتك بمؤسسات وشعوب الدول المتقدمة نلاحظ أنهم فى حالة حوار مستمر حول المستقبل، وهذه الحالة يعيشونها فى المترو أو مكاتب العمل أو المقاهى، إنها حالة معايشة إنهم لا يحددون مواعيد للجلوس والحديث عن المستقبل، هذا يحدث لوضع خطط مستقبلية، فى توقيتات محددة تنتهى بانتهاء مثل تلك الاجتماعات وتسلم كل فرد الجزء المنوط به تحقيقه فى الخطة، وهذا يحدث فى العالم الثالث بينما غالبية الشعب لا يعلم شيئا عن هذه الخطط والرؤى ولا كيف يتابعها أو يقييمها لكن الشعوب المستنيرة تعيش فى حالة حوار مستمر مع المستقبل ويقيسون كل أفعالهم على ما الذى يريده المستقبل منهم أن يحققوه وهذه الحالة تحتاج إلى وعى خاص عند الأفراد ونستطيع أن نستشف ذلك من انبهارهم بأى فكر جديد مهما كان غريبا طالما يصب فى المستقبل ونحن نرحب بالحوارات التى تدور على كل المستويات فى مصر ولكن يجب على كل طرف قبل أن يجلس على مائدة الحوار أن يقدم تصوره الكامل عن المستقبل.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات