ولاية الفقيه.. أم ولاية الأمة؟! - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 10:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

ولاية الفقيه.. أم ولاية الأمة؟!

نشر فى : السبت 12 سبتمبر 2020 - 12:30 ص | آخر تحديث : السبت 12 سبتمبر 2020 - 12:30 ص

ظهرت نظرية «ولاية الفقيه» عام 1829 على يد النراقى وعززها بعده الشيخ الكورانى، ولكنها لم تطبق عمليا إلا على يد الخومينى ولم يعرفها العوام إلا بعد قيادته لإيران عام 1979 حيث وضعها حيز التنفيذ.
قرر الخومينى أن للولى الفقيه الولاية المطلقة على المسلمين التى كانت لرسول الله «صلى الله عليه وسلم» وللإمام على بن أبى طالب.
والنظرية تجعل الولى الفقيه حاكما باسم الإله، ببساطة لأنه معصوم ولا تجوز معارضته أو نقده أو مراجعته أو مناقشة تصرفاته.
الشيعة الإمامية يرون أن الولاية تكون للفقيه، أما أهل السنة فيرون أن الولاية تكون «للأمة»، وهى تعنى حق الأمة فى اختيار حكامها.. وتوليتهم وعزلهم ومحاسبتهم إذا لزم الأمر، «وإن كان ذلك لا يحدث فى أكثر بلادهم خاصة بلاد العرب فى العصر الحديث».
وقد وضح ذلك من مبايعة جميع الصحابة فى دار السقيفة لأبى بكر الصديق رضوان الله عليه وكذلك بيعة عمر وعثمان وعلى وعمر بن عبدالعزيز، ووضح ذلك من اتفاق الحكمين أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص رضى الله عنهما من رد الأمر إلى النفر الذين توفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راضٍ «أى إلى الأمة».
لقد كان الإسلام عظيما حينما اعتمد نظرية «ولاية الأمة»، وهذا يعطى الاستقلال لكل دولة فى اختيار حكامها، بل إنه يعطى سكان الولايات حق اختيار حكامها المحليين بالانتخاب كما يحدث الآن فى النظام الفيدرالى الأمريكى وفى بريطانيا وفرنسا، ليكون ولاؤهم للشعب الذى أولاهم ثقته وعينهم، ولا يكون ولاؤهم للحاكم الذى منَّ عليهم بهذه الوظيفة.
إن البعض يظن أن نظرية «ولاية الأمة» أو سيادتها تعاكس مبدأ تطبيق الشريعة، ناسين أن سيادة أو ولاية الأمة تعنى أن الأمة هى «صاحبة السلطات»؛ لأنها تملك توليتها ومحاسبتها أو عزلها بالطرق القانونية والسلمية.
أما الشريعة الإسلامية فتمثل الإطار القانونى للدولة، أو ما يطلق عليه «المرجعية القانونية العليا للدولة».
و«ولاية الأمة» أو «سيادتها» تتيح لفقهاء ومفكرى كل دولة أن يجتهدوا فيما يناسب هذه الدولة من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية، فلكل دولة ظروفها، ولكل شعب أعرافه ومدخلاته ومخرجاته وما يحب وما يكره، شريطة ألا يصطدم ذلك بثابت من ثوابت الإسلام أو يحل حراما أو يحرم حلالا، وهذا كله يعطى الشريعة الغراء ومذهب أهل السنة والجماعة مرونة سياسية واقتصادية وإدارية كبيرة تمكنها من التعامل مع شتى المجتمعات والأعراف مهما كان تباينها، ولعل ذلك يعد سرا من أسرار خلود الشريعة الإسلامية.
إن فكرة ولاية الفقيه، تنحى الأمة جانبا «وهى من هى»، وتقدم الفقيه عليها، والأمة أولى من الفقيه مهما كان علمه وشأنه وتضحياته.
كما أن فكرة «ولاية الفقيه» تعتمد على عصمة الإمام أو الفقيه، والعصمة انتهت بموت النبى صلى الله عليه وسلم، لأن العصمة مستمدة من الوحى، وبانقطاع الوحى تنقطع العصمة.
فالرسول بشر كسائر البشر ولكنه يتميز عن غيره بالوحى الذى يعصمه من الزلل ويصحح اجتهاده إذا أخطأ.. ويصوب حركته باستمرار، قال تعالى: {قُلْ إِنَمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ}.
أما اجتهادات الرسول (صلى الله عليه وسلم) البعيدة عن الوحى فهى محل أخذ ورد سواء فى الحرب أو الزراعة أو شئون الحياة التى لا وحى فيها.. وقد حصرها الفقهاء وأوسعوها ذكرا.
ولذلك قال الصحابى الجليل للرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد أن نزل بالجيش خلف آبار بدر: «أمنزلٌ أنزلكه الله فلا نتقدم عنه أو نتأخر.. أم هو الرأى والحرب والمشورة؟«,فرد عليه النبى (صلى الله عليه وسلم): «بل هو الرأى والحرب والمشورة»، فقال الصحابى: «ليس هذا بمنزل».. وكأن الصحابى رضوان الله عليه أراد أن يفرق بين اجتهاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) البشرى الذى يقبل الأخذ والرد، وبين ما جاءه عن طريق الوحى الذى يلزم جميع المسلمين.
إن فكرة «عصمة الإمام» تجعله وحكمه غير قابلين للنقد أو التصويب أو التصحيح.. وتجعل قوله ملزما للكافة والخاصة والعسكريين والسياسيين والاقتصاديين حتى فى مجالات تخصصهم.. وهذا موضع خطر عظيم فى إدارة الدول ومؤسساتها.
ورحم الله أبا بكر الصديق الذى قال: «إن أصبت فأعينونى وإن أخطأت فقومونى»، رغم أنه أكثر المسلمين إيمانا وأعظمهم عطاء.
وهذا عمر بن الخطاب أعظم حكام المسلمين قاطبة يقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
نظرية «ولاية الفقيه» تمثل الآن لب الفكر السياسى الشيعى كما تمثل نظريات سيد قطب عن «الحاكمية والتكفير» لب فكر أكثر جماعات العنف الدينى السياسى المنسوبة إلى السنة زورا مثل القاعدة وداعش وأخواتها وهى أقرب إلى فكر الخوارج، ولكن الأولى نجحت فى بناء دولة ثم إمبراطورية أما الثانية ففشلت.
نظرية«ولاية الفقيه» هى السبب فى احتلال إيران لأربع دول عربية هى سوريا والعراق ولبنان واليمن والطمع فى المزيد.
وهى السبب أيضا فى الازدواجية الخطيرة، التى تعيشها إيران والتى ستضرها ضررا بليغا فى المستقبل، ازدواجية المرشد والرئيس، والحرس الثورى والجيش الإيرانى، وميزانية الدولة وميزانية «قم».
إننا بحاجة إلى «ولاية الأمة»، لأنها أقرب إلى النفوس والنظم العالمية الحديثة، وكفيلة بأن تتولى الأمة كلها مسئولياتها ولا تضعها برمتها فى عنق شخص أو أشخاص مهما كان صلاحهم وتقواهم وتضحياتهم ونظافة أيديهم.
أيهما أولى.. ولاية الأمة على نفسها أم ولاية الفقية؟!

التعليقات