من هنا مرّ أوغاد - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


من هنا مرّ أوغاد

نشر فى : الخميس 12 سبتمبر 2019 - 7:55 م | آخر تحديث : الخميس 12 سبتمبر 2019 - 7:55 م

صعدَت الدرج على مهلها وأخذته واحدة واحدة، شابة في منتصف الثلاثينيات نعم لكن بدا لها الدرج أطول من المعتاد، بينها وبين نفسها كانت تتمنى ألا تصعد بل ألا توضع أصلا في هذا الموقف، شقتها تعرضت للسرقة في أثناء وجودها في المصيف وها هي الآن ذاهبة إلى شقتها لتتفقد وتحصر وتتحسر. أحست بلدغة حادة في وجنتيها الاثنتين، منذ متى تلدغ الدموع؟ كانت دموعها تلدغ .. واصلت الصعود.
***
أمام شقتها في الطابق الثالث كان المصعد معلقا كأنما أراد أن يكون شاهدا على الواقعة، أن يعاقب الأوغاد على فعلتهم فلا يسمح لهم باستخدامه، هو لن يسهل لهم مهمتهم مهما كلّفه الأمر، يا لك من أسانسير طيب، قالتها بشهقة عميقة ونظرت إليه. استقبلتها شقتها ببابها المفتوح على مصراعيه، لتحتضنها ربما أو لتشكو إليها ما جرى، وربما لتجعل حكايتها على عينك يا تاجر.. لا لا استبعدت الاحتمال الأخير فشقتها لن تُشّهر بها أبدا وبينهما عشرة عمر طويلة. لا تدري لماذا تذكرت في هذه اللحظة واقعة فتاة اليمن ذات الثمانية أعوام التي زوجّها أوغاد إلى كهل كبير فماتت في ليلة زفافها، حُرمة شقتها انتُهِكت كما انتُهِكت براءة طفلة اليمن، الأوغاد يتشابهون في طبائعهم، لَدَغَتها دموعها مجددا فانتبهت وعبرت إلى الداخل.
***
تعبير العبور إلى الداخل ليس تعبيرا مجازيا، إنه تعبير حقيقي مائة بالمائة فلكي تنفذ إلى داخل شقتها كانت تحتاج أن تعبر فوق ثيابها وكتبها وسيديهاتها ولعبها الصغيرة التي انتقلت معها من شقة لأخرى ومن عمر لآخر، تكسرت تحت قدميها نظارتها الطبية، لا عليكِ يا عزيزتي لستِ وحدك من تكسرتِ فصاحبتك أيضا مكسورة .. بل مكسورة جدا. غريبة هي في بيتها فلا شيء فيه عاد يشبهها ولا ثقة عادت لها في هذا المقعد وتلك الستائر وهذه الورود الصناعية وقد عبثت بالجميع حفنة من الأوغاد. معروفة هي بحساسيتها المفرطة إزاء كل اجتراء عليها، وفي طفولتها كثيرا ما سخر منها الأهل عندما كان أحدهم يقرص وجنتيها المنتفختين مداعباً دون استئذان فإذا بها تتحول فورا إلى قطة شرسة، أما الآن فما بالها؟ الآن؟ اللدغات اللعينة تؤلمها أكثر فأكثر، طردت دموعها بعيدا عن خديها وتوغلت.
***
من أين تبدأ وعن ماذا تفتش وقد اختلط الكل بالكل فما عادت تدري ماذا أخذوا منها وماذا تركوا لها.. توجهت إلى غرفتها وتسمرت. يا الله ما هذه الفوضى الشاملة! في غيابها إذن دارت معركة كبرى دفاعا عن حرمها وعرينها ومملكتها خسروها جميعا وربح الأوغاد. فجأة يلتصق حذائها بالأرض، تجثو علي ركبتيها وتتكسر روحها وهي تتحسس بقعة عصير حمراء، تتذكر أنها تركت في ثلاجتها زجاجة من عصير الرمان، هم إذن شربوا العصير بينما كانوا يعبثون ويستكشفون ويسرقون، لكن أهذه بقعة عصير أم ترى أن دماء الأرض سالت تحت الأقدام الغريبة؟. أجاب عن سؤالها كوبها المفضل وفي قاعه بقايا عصير الرمان، كان الكوب يقف وحيدا على المكتب بعد أن أزاحوا عن يمينه وشماله الورق والأقلام والصور.. الصور.. الصور. ركبها مائة عفريت لأن هذا الكوب بالتحديد عليه صورتها فهناك وغد إذن وضع شفتيه حيث تضع كل يوم شفتيها وشرب العصير وتلذذ. ودّت جدا لو تتقيأ هذا الشعور المهين بالدنس، لكن عاندتها أمعاؤها فلم تتقيأ فقط انطلقت إلى الحمام لتغسل الكوب.
***
لم يكن كوب العصير وحده هو الذي غسلته، فلقد غسلت الجدران والفرش والأواني والأثاث والأبواب والمقابض والثلاجة والملابس، طالت رغوة الصابون كل شيء لتمحو الأثر وتغسل العار. لم ينج من الثأر إلا هذا المعطف الأبيض المغطى بكيس من البلاستيك وكأنه تخفّى من الأوغاد أو حاول، لماذا لم يشرك المعطف باقي ملابس الخزانة في كيسه الشفاف ليحميها من نظراتهم وما هو أكثر من النظرات؟ لم يجب المعطف وكادت أن تنفعل عليه، إنها تقف على حافة الجنون. رفرف قلبها وهي تذكر أن زيارة الغرباء إياهم لن تكون الأخيرة فغدا هي على موعد مع غرباء آخرين يرفعون البصمات ويقتفون الأثر وينتشرون في المكان، صارت شقتها معبرا للهاربين من العدالة والباحثين عن العدالة، مفارقة عادية لكنها مع ذلك لم تستسغها. إنها تريد أن تغلق عليها بابها وتسترد شعورها بالخصوصية والأمان. كمثل رَجْع الصوت في الصحراء راحت تتردد في أذنيها كلمة الأمان الأمان الأمان.
***
أُنهِكَت تماما وهدّها التعب فارتمت فوق فراشها بحذر واستسلمت لعشرات الأشباح تلاعبها فتتراءى لها تارة وتارة أخرى تختفي، يمر عليها الوقت بطيئا فإذا هي الثانية.. الثالثة.. الرابعة.. وآذان الفجر لا يجئ، كانت تستقبح صوت المؤذن الأجش والآن تفتش عنه ليؤنسها. في سقف الغرفة تعلقت كل حاجيات أبيها المسروقة في حبل يقطع غرفتها بالعرض فتنكمش خوفا من أن ترجُمَهَا ساعته أو غليونه أو محفظته أو الكاميرا الخاصة به، كان يحب أشياءه كلها وهي أيضا تحب أشياءه لأنها كل ما تبقي لها منه بعد الرحيل. همّت بأن تنفض الغطاء عن بدنها وتتعلق بالحبل الغليظ لتقطف منه الأشياء المسروقة وتعيدها إلى أماكنها ثم ارتخت، لماذا ارتخت وتراجعت؟ لأن الأشياء المسروقة ببساطة هي أشياء مسروقة، لدغات متتالية كما لو كانت لسرب من الأفاعي الخطيرة تهاجمها، سالت دموعها أنهارا وسبح رأسها فوق الوسادة المبللة. كيف وقع اختيار الأوغاد على شقتها هي بالذات ولماذا تعمدوا إذلالها؟ هل شعورها بالانكشاف مؤقت أم تراه يدوم؟ أما السؤال الأهم على الإطلاق فمن ستكون هي نفسها بعد أن جرى لها كل ما جرى؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات