ماذا يحتاج الدواء المصرى حتى تستقيم مستقبلياته؟ - محمد رءوف حامد - بوابة الشروق
الجمعة 29 مايو 2020 2:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ماذا يحتاج الدواء المصرى حتى تستقيم مستقبلياته؟

نشر فى : الإثنين 12 أغسطس 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 12 أغسطس 2019 - 9:50 م

منذ أكثر من عامين أشرنا إلى أن تعويم الجنيه المصرى ليس هو المسئول عما شهدته مصر وقتها من موجة جديدة لأزمات الدواء، وأن هذه الأزمات مزمنة على مدى عقود سابقة. وفى نفس الوقت عرضنا المداخل الممكنة لاستنهاض الشأن الدوائى المصرى [أحوال مصرية ــ أكتوبر 2016 ــ الشروق 19 و26 ديسمبر 2016 و2 يناير 2017].
لم تكن المرة الأولى فى الاجتهاد لفتح مستقبليات الشأن الدوائى المصرى، فقد بدأنا ذلك نظريا وعمليا منذ ثمانينيات القرن الماضى (فى منابر ومؤسسات وإصدارات مختلفة.. وبالتشارك مع آخرين).
غير أن غرق هذا الشأن فى العشوائيات و«العشوأة» لم يسمح بالاستفادة من أى مقاربات تهدف إلى اعتلائه مسار التقدم على الرغم من تأهله له.
ما الأمثلة على ذلك؟ وما هى أركان الإهدار المزمن لإمكاناتنا الدوائية العظيمة؟ وما هو المستجد الحالى الذى سيفاقم من هذا الإهدار ومن شدة الحرج القومى لهذا الموضوع؟ ثم ماذا عن معالم هذا الحرج؟ وعن منهجيات تجنبه وعلاجه؟
هذه هى المقاصد التى يسعى إليها الطرح الحالى.

أولا: نماذج للعشوأة والإهدار فى الشأن الدوائى القومى
• هيمنة توجهات خاطئة على مسار الصناعة الدوائية مثل الاعتقاد بضرورة زيادة عدد مصانع الدواء بتناسب طردى مع زيادة التعداد السكانى.
• إحداث تحولات هيكلية دون صنع سياسات للمحافظة على الإنجازات مثل الإطاحة بمبادرة ناجحة بخصوص صناعة المواد الدوائية الخام أثناء التحول إلى قطاع الأعمال العام (1992). وكذلك نشأة القطاع الخاص الدوائى بغير خطة تجعله إضافة (وليس بديلا) للقطاع العام.
• إصدار سياسات دوائية وهمية (2001 ــ 2004).
• رفض الصناعة الدوائية الوطنية للمبادرات بخصوص تطوير قدراتها فى البحث العلمى.

ثانيا: أركان الإهدار المزمن للإمكانات الدوائية الوطنية
ستستمر وتُستفحل ملامح الإهدار مالم يحدث إدراك لأسبابه ودعائمه والتى تتجسد فيما يلى:
• غياب السياسات الدوائية وبالتالى ضبابية الأهداف وانعدام الاستراتيجيات والسيناريوهات وتلاشى مهام التنسيق والتقويم.
• غياب المنهجية مما يُخضع الشأن الدوائى برمته (صناعته وإتاحته للمواطنين) لنفوذ العلاقات والمصالح الخاصة.
• تلاشى الشفافية الأمر الذى يسود فى غياب السياسات والمنهجية مما يُسقط الإمكانات الدوائية فى دوامات الفوضى والتناقض.

ثالثا: المستجد الحالى الذى سيفاقم من الإهدار
إذا كانت الأوضاع المزمنة للشأن الدوائى الوطنى غاية فى الحرج، فإن مشروع قانون هيئة الدواء المصرية والذى وافق عليه البرلمان أخيرا سوف يجعلها أكثر حرجا بمراحل حتى أن البلاد قد تتأسى لفداحة سلبياته بعد فترة إذا لم يُعاد تناول الموضوع (والشأن الدوائى برمته) بعمق وموضوعية وشفافية.
من منظورنا، من شأن هذا القانون زرع الإيهام بالتغيير إلى الأحسن بينما هو يقود إلى تعظيم حالة اللامنهجية السائدة وفيما يلى بعض الأسباب:
• أن الجديد الذى يحتاج إليه الوضع الدوائى فى مصر هو كيان يصنع سياسات، ويرسم استراتيجيات وينسق ويتابع ويُقوم جميع أنشطة الشأن الدوائى على أرض مصر (حكومى / عام / خاص / أجنبى... إلخ). ذلك بينما الهيئة التى يُنشئها المشروع البرلمانى هى مجرد حل (وإحلال محل) كيانات موجودة بالفعل على الرغم مما لديها من خبرات وكفاءات متراكمة على مدى تاريخ طويل منذ خمسينيات القرن العشرين (خاصة الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية والإدارة المركزية للصيدلة).
• وعليه، فالهيئة المقترحة لا تعالج السلبيات المزمنة، بل من شأنها التفريط فى كيانات تمثل ريادات إقليمية ودولية الأمر الذى يُجرف الصالح القومى.
• وكمثال فإن الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية وتسمى اختصارا «نودكار» هى كيان مصرى عظيم وكل ما تحتاجه هو «التمكين» وليس الاغتيال (أو ما يتشابه مع ذلك مثل استبعاد شقها البحثى). وهنا يستحق الأمر الإشارة إلى الآتى:
أن «نودكار» هى أول كيان رقابى بحثى علمى دوائى متكامل على المستوى العربى والإفريقى والعالم الثالث.
أنها (أى «نودكار») تمثل هارمونية إقليمية متفردة فى ربطها للرقابة بالبحث العلمى، تماما كالهيئات المماثلة فى الدول المتقدمة.
أن ممارسة الرقابة الدوائية فى سياق بحثى علمى مؤسسى كما الحال فى «نودكار» مسألة عظيمة الأهمية بالنسبة للدواء لأنه سلعة تتطور يوميا على أسس علمية تكنولوجية راقية فضلا عن ارتباطه المطلق بالصحة.
أما عن التمكين فقد حُرمت منه «نودكار» بضلوع من الدولة (بصرف النظر عن النوايا) مما يعنى ــ عمليا ــ إفشال «نودكار» الأمر الذى يتجسد أحد معالمه ــ كمثال ــ فى ممارسات الدولة تجاه رئاستها.
فى هذا الصدد، من المؤلم تقاعس الدولة عن تعيين رئيس كامل الأهلية لمجلس إدارة «نودكار» (طبقا للقرار الجمهورى بإنشائها) طوال أكثر من ثلاثة عقود مضت حيث يعود تاريخ آخر قرار لتعيين رئيس لنودكار إلى عام 1983 ومنذ 1987 تدار الأمور بواسطة مُعارين (أو منتدبين) تُجدد رئاستهم سنويا، الأمر الذى يتناقض مع كل من القرار الجمهورى وأساسيات الإدارة فضلا عن مكانة «نودكار» وضرورة تمكينها.
• يبدو الأمر كما لو أن هناك إصرارا مسبقا وبدون أسباب واضحة على إنشاء هيئة الدواء هذه.
ترجع هذه الملاحظة إلى أن الكيان الذى يهدف إليه المشروع المقدم كان قد تم الترويج له منذ نحو عامين، وكان الترويج وقتها بزعم أن ليس فى مصر جهة للرقابة الدوائية. غير أننا قد فندنا هذا الزعم فى حينه، فى وسائل الإعلام وفى مذكرة للسادة أعضاء لجنة الصحة فى البرلمان.
• مما سبق (من أمثلة) يتضح أن عموم توجهات الإدارة بالنسبة للكيانات الدوائية التى يُخضعها المشروع البرلمانى للإحلال (و/أو الضم) بواسطة الهيئة المقترحة كانت، وستظل، من نوع الإدارة المباشرة محدودة الأثر (الزمنى والأدائى) والتى يمكن تسميتها Micromanagement أو الإدارة التحجيمية.
هذا النوع من الإدارة لا يُحفز على التقدم، ويرجع بالأداء والإنجاز إلى الوراء. فهل هذا هو ما تتمناه مصر لشأنها الدوائى؟

رابعا: منهجيات ومتطلبات التحول إلى الاستنهاض
انطلاقا مما تم إيجازه أعلاه وكذلك من تفاصيل تاريخية لخلفياته سواء التوجه الحكومى / البرلمانى الحالى لإنشاء هيئة الدواء أو خلفيات الشأن الدوائى المصرى ومداخل استنهاضه كما أوردناها فى مناسبات سابقة وجرت الإشارة إليها فى الدراستين المذكورتين أعلاه فإن هناك توجهات أربعة تختص بالمنهجية والاستنهاض:
1 ــ ضرورة اجتهاد مؤسسات الدولة فى الحفاظ على صدقية التحول المطلوب خاصة فى ضوء إزمانية الفوضى المأمول العلاج منها الأمر الذى يحتاج ــ كمثال ــ إلى ما يلى:
● أن يرتكز السعى للتغيير على مقاربات جماعية مع توثيق لتفاصيل هذه المقاربات.
● أن يشترك فى هذه المقاربات جميع المعنيين من أهل الدواء (حكومة ــ صناعة ــ قطاع أعمال ــ قطاع خاص... إلخ).
● أن تسود الشفافية فى جميع التناولات.
من شأن مثل هذه الصدقية تجنب أى حيودات فى المسار على غرار زعم سابق بأنه ليس فى مصر كيان للرقابة الدوائية ومثل عدم الاكتراث باقتراح سابق لنا بإنشاء مجلس أعلى للدواء ثم إظهاره (بشكل مغاير وغير عملى) فى مسودة القانون الذى جرت مناقشته.

2 ــ الاعتبار الكافى للحفاظ على الكيانات الموجودة كما هى مع تمكينها.
وعلى سبيل المثال، فى «نودكار» تكمن أدوات كبرى يمكنها مع التمكين أن:
• ترقى بمرجعية مصر فى أعمال الرقابة إفريقيا وعربيا والعالم الثالث.
• تُدعم الصناعة الدوائية المصرية وترفع من صورتها الذهنية دوليا.
3 ــ إنشاء كيان قومى عالى المستوى فى التنوع والخبرات، تكون مهمته استنهاض الشأن الدوائى القومى بصنع السياسات ورسم السيناريوهات والتنسيق والمتابعة والتقييم لجميع الكيانات الدوائية على أرض مصر (حكومية وخاصة / مصرية وأجنبية).
هذا الكيان لا يدير العمل اليومى، وإنما هو بناء فكرى تتضمن مهامه أعمال تنفيذية.
إنه يُرشد المسار من منظور استشرافى طويل المدى، ويصنع حلولا وآليات لمواجهة الإشكاليات والأزمات، ويتواصل فى أعماله مع سلطات الدولة.
يمكن لهذا الكيان أن يُسمى «المجلس الأعلى للدواء»، أو اللجنة (أو الهيئة) العليا للدواء، أو كيفما يُتفق.
4 ــ إعادة مناقشة الموضوع برمته على غرار ما جاء فى البند «1».
وأخيرا، غنى عن البيان أن استنهاض الشأن الدوائى المصرى أمل وطنى عظيم، خاصة فيما يخص صحة عموم المواطنين، وتقدم الاقتصاد القومى.

محمد رءوف حامد خبير صناعة الأدوية ورئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق
التعليقات