حول دور القطاع الخاص في وباء كوفيدــ19 - علاء غنام - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2020 6:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

حول دور القطاع الخاص في وباء كوفيدــ19

نشر فى : الجمعة 12 يونيو 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الجمعة 12 يونيو 2020 - 8:15 م

فى الفترة الأخيرة ثار جدل حول تسعيرة العلاج لمصابى كورونا فى المستشفيات الخاصة والتى وضعتها وزارة الصحة، ففى الوقت الذى قامت فيه وزارة الصحة بوضع حد أقصى للعلاج لليلة، اعتبرت المستشفيات الخاصة هذه التسعيرة غير عادلة. فيما أعلنت غرفة مقدمى الخدمات الصحية رفضها التعامل بها، وأن بعض المستشفيات انسحبت من تقديم الخدمات العلاجية لمصابى كورونا.

بداية يجب التذكير بنقطتين فى سياق السماح للقطاع الخاص بتقديم خدمات صحية لمرضى كوفيدــ19:

١ــ هذا القرار سيساهم فى زيادة الدفع من الجيب مباشرة؛ حيث إن هناك مؤشرين توصى بهما وتستخدمهما منظمة الصحة العالمية لتتبع مستوى الحماية من المخاطر المالية فى مجال الصحة، وهذان المؤشران هما: معدل حدوث الإنفاق الكارثى على الصحة ومعدل وقوع الأفراد فى الفقر بسبب المدفوعات المباشرة من الجيب على الصحة. ويوضح المؤشر الأول عدد الأفراد من جميع مستويات الدخل الذين يعانون من ضائقة مالية (إذ ينفقون أكثر من 40% من دخولهم المتاحة) بسبب الارتفاع النسبى فى المدفوعات الصحية فى فترة زمنية معينة. أما المؤشر الثانى فيتناول حقيقة مؤداها أن المدفوعات الصغيرة من الجيب قد يكون لها تبعات شديدة خصوصا بين الأفراد القريبين أصلا من خط الفقر. ولذلك، فإن السماح للأسر بالدفع من الجيب مباشرة لتلقى الخدمة من المستشفيات الخاصة سيساهم فى زيادة نسبة الفقر فى مصر. ويجب الإشارة أيضا إلى ارتفاع نسبة الواقعين تحت خط الفقر من 27,8% من إجمالى السكان فى عام 2015 إلى 32,5% فى بحث الدخل والإنفاق الأخير الذى قام به الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء خلال عامى 2018/2017، فى استمرار لاتجاه مطرد لزيادة معدلات الفقر. فهناك بعد اجتماعى شديد الأهمية يجب مراعاته ووضعه فى الاعتبار عند السماح للقطاع الخاص بتقديم خدمات صحية فى مرحلة الوباء ووفقا لمنظمة الصحة العالمية (الدفع من الجيب يديم عدم المساواة والفقر، ويمنع الناس من الوصول إلى الخدمات التى يحتاجون إليها).
٢ــ دور الدولة فى مكافحة الأوبئة وتقديم الخدمات الصحية الخاصة بها مكفول بنص المادة 18 من الدستور، ويجب أن يكون تقديم الخدمات الصحية مجانا (ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة).
***
فى محاولة لتفسير سلوكيات القطاع الخاص الطبى فى الأزمة لابد من تحديد وطرح الموضوع فى الإطار الصحيح لدوره فى العموم وكيف أنه غير منظم من الأساس، وبدون إشراف أو رقابة، وهناك احتكارات كبرى فى المجال الصحى يغذيها مستثمرون ليس لهم علاقة بفكرة التضامن والمسئولية المجتمعية سواء مستشفيات أو مراكز طبية أو معامل أو سلاسل صيدليات أو حتى العيادات الخاصة. وكيف تنامى دوره عبر أكثر من أربعين عاما، على حساب تخلى الدولة عن دورها الأساسى فى الحماية الصحية، وضعف نظم التأمين الصحية العامة (رغم أنها نظريا تقوم بتغطية ٦٠٪ من السكان). وهو ما دفع الناس للجوء إلى القطاع الخاص مباشرة فى ظل عدم وجود رقابة حقيقية، ما جعل نصيب القطاع الخاص الطبى يتجاوز ٦٠٪ من الإنفاق الكلى على الصحة.
وهو نظام مختل لأنه سمح للقطاع الخاص بهذا التوسع فى غياب تام من الدولة، نظام غير موجود فى دولة رأسمالية عريقة مثل بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا.
نقطة أخرى تغيب عن الكثيرين عند الحديث عن القطاع الخاص وإمكانياته، وهى أن أغلب الطواقم الطبية فى القطاع الخاص هم نفسهم طواقم طبية يعملون فى القطاع العام (لتحسين دخولهم لضعفها فى القطاع العام). ولذلك فإن الأهم من إمكانيات القطاع الخاص (من حيث عدد الأسرّة وخلافه) هم الطواقم الطبية المدربة.
والآن، هناك محاولة لإصلاح القطاع الصحى تحت مظلة جديدة، عن طريق قانون التأمين الصحى الشامل، بدأت فعلا، ومن أهدافها تنظيم العمل وضبطه مع القطاع الخاص وتكامله مع النظام العام عبر معايير جديدة للجودة، والتعاقد العادل، المسعر بدقة، ومنع ازدواج العمل (حيث إنه من مبادئ الإصلاح الصحى طبيب واحد لمكان واحد)، ولوقف الفوضى السائدة فيه.
والطواقم الطبية هنا هى الأهم لأن القطاع الخاص يستحوذ على أفضل الطواقم الطبية، وأمهر الأطباء، فإمكانيات القطاع الخاص ليست كبيرة، ولكن أفضل عمالة القطاع العام يعملون فى القطاع الخاص، فالعمالة هنا وتوظيفها فى الأزمة أهم من الأسرّة. ما نحتاجه توظيف كامل لمستشفيات الجامعة وتفرغ الطواقم الطبية لها، وأن يعود أطباء القطاع العام له مع تعويضهم ماديا. ولو قمنا بعمل مستشفى واحد ميدانى بسعة من 500 إلى 1000 سرير بكل محافظة مثلا مع توفير طواقم طبية لها فلن نحتاج للقطاع الخاص أصلا. ما نحتاجه هو إدارة جيدة للأزمة وحوكمة النظام بقوة وحسم. ومن يقوم بالتخطيط غير من يدير وينفذ، وهو ما يجعل إنشاء مجلس أعلى للصحة ضرورة الآن، مجلس أعلى للصحة يخطط، ووزارة صحة قوية تنفذ، ومحليات قوية تعرف دورها التنفيذى فى الأزمة. ولا جدال أن دور القطاع الخاص فى الظرف الحالى يحتاج إلى إعادة نظر، فى إطار أزمة وبائية، تحتاج إلى تنظيم وسيطرة مرحلية من نوع آخر.
***
وفى الخلاصة، لا بد من تكامل كل الإمكانيات الصحية الموجودة فى البلاد الآن، سواء عام أو أهلى أو خاص، فى استراتيجية واحدة، لمواجهة الوباء، وحوكمة النظام وحوكمة إدارة الأزمة. وفى سياق الشراكة مع القطاع الخاص لمواجهة الأزمة، أصبح من الواضح أنه لا يمكن ترك المرضى للقطاع الخاص مباشرة، ولابد من تنظيم هذا القطاع فى المرحلة الحالية، ومن الممكن الاعتماد على مبادئ قانون التأمين الصحى الشامل، وأن يكون تسعير الخدمات الطبية على أساس لائحة التسعير الخاصة بقانون التأمين الصحى الشامل، مع الوضع فى الاعتبار أننا فى مرحلة وباء، وأن تقوم الحكومة بدفع التكاليف بدون السماح بتحقيق أى ربح للقطاع الخاص (أى أن يكون هامش الربح صفر)، وعدم السماح لمرضى كوفيدــ19 بالدفع من الجيب مباشرة للحصول على خدمة صحية، فالحصول على الخدمة الصحية مجانا فى مرحلة الوباء هو حق دستورى لجميع المواطنين.

علاء غنام مسئول الحق فى الصحة فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وخبير فى إصلاح القطاع الصحى
التعليقات