وزير من دولة مبارك - محمد عصمت - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 5:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

وزير من دولة مبارك

نشر فى : الثلاثاء 12 مايو 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 12 مايو 2015 - 9:25 ص

أنا لا أعرف لوزير العدل المستشار محفوظ صابر أصلا ولا فصلا، فأنا لم أسمع باسمه قبل أن يتولى منصبه الرفيع، ولا أدرى إن كان من ذوى الحسب والنسب، وتسرى فى عروقه دماء ملكية زرقاء أم لا، ولكن ما أدركه جيدا أن الرجل يحمل بين ضلوعه قلبا طيبا، فى نفس الوقت الذى تحمل أفكاره أبعادا طبقية متوحشة، تتناقض تماما مع روح ونصوص الدستور التى تمنع التمييز بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وعلى رأسها تقلد الوظائف العامة.

ففى لقائه مع برنامج «البيت بيتك»، قال الوزير بوضوح تام إنه يرفض تولى ابن عامل النظافة منصب القاضى، لاعتبارات تتعلق بالوسط القضائى بتركيبته الاجتماعية التى ينبغى ألا تكون «من فوق قوى ولا تحت قوى» بحسب نص كلامه، ولاعتبارات نفسية تتعلق بابن هذا العامل البسيط الذى سيصاب بالاكتئاب إذا أصبح قاضيا ولن يستطيع مواصلة عمله، بالإضافة إلى أن القاضى ينبغى ان يكون له شموخ يستند إلى وسط محترم ماديا ومعنويا.

صحيح أن الوزير وجه التحية لعامل النظافة فى سعيه لتعليم ابنه، لكنه نصحه بإخلاص ليبحث لابنه عن وظيفة اخرى، إلا أن كل هذا لم يمنع اشتعال الغضب على الوزير، ومطالبته بتقديم استقالته، لأنه ينظر إلى الطبقات الفقيرة باستعلاء.

آراء الوزير الصادمة لها أكثر من دلالة، أولها أن أفراد السلطة القضائية فى مصر مطالبون بإعادة النظر فى مواقف كبار رجالها، فيما يتعلق بامتيازاتهم ومرتباتهم الغامضة، وامتلاكهم حصانات غير محددة المعالم، ثم يريدون فى النهاية اعطاء أولادهم الحق الحصرى فى العمل فى سلك القضاء، بدون وضع أى اعتبار لصحيح الدستور والقانون، بل وقيم العدالة نفسها المفترض أنهم حراسها الأوفياء!

وثانيا، كشفت آراء الوزير عن مدى الرياء الاجتماعى الذى يضرب حياتنا من جذورها، فما قاله الوزيرــ بلا دبلوماسية ــ يعبر بصدق عن الأفكار الحقيقية لملايين المصريين الذين يرددون بشيزوفرينيا واضحة أفكارا مثالية عن العدل والمساواة وحقوق الانسان، ويستنكفون تطبيقها على حياتهم الخاصة، وهو ما يكشف بجلاء مدى الانحطاط الثقافى والتخلف السياسى والسقوط الأخلاقى لأسلوب حياتنا، والذى عجزت ثورة 25 يناير بشعاراتها الكبيرة حول العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية عن تغييره.

أما ثالثا وهو الأهم، فإن آراء الوزير أكدت بوضوح الحضور الطاغى، بعد 4 سنوات من ثورة يناير، لدولة مبارك، وكشفت عجزنا عن مواجهة قيمها الطبقية الفاسدة وظلمها الاجتماعى، الذى يكرس الثروة والسلطة فى يد أقلية تملك وتحكم، فى حين تعيش الغالبية فى بؤس وشقاء تاريخى بلا أمل سلمى فى التخلص من قيوده الصارمة، وهو ما تكشف عنه بوضوح لغة الأرقام التى أوردتها مجلة «فوربس» الأمريكية فى عددها الأخير بتأكيدها على أن ثروة 8 رجال أعمال مصريين التى كانت 13 مليار دولار بعد الثورة زادت هذا العام بنسبة 80% ، فى حين تواصل الحكومة سياستها التقشفية بإلغاء الدعم عن الفقراء ومحدودى الدخل، وترك الأسعار للعرض والطلب، وهو ما يؤكد أن ما قاله الوزير ليست أفكارا تعبر عن قناعاته الخاصة، بل إنها تعبر عن فلسفة الحكومة التى عينها الرئيس السيسى شخصيا!

قد يطيح الرئيس السيسى أو حتى محلب بالوزير من منصبه، ولكن هذا وحده لن يحل مشكلة، فالوزير مجرد واجهة لسياسات نظام مبارك التى رفضها المصريون وأسقطوها واسقطوه هو شخصيا، وإقالته وحدها لن تحل المشكلة ولن تمنع فوضى أو ثورة قادمة فى الطريق، طالما بقيت سياسات مبارك مرجعية أهل الحكم عندنا، وطالما أن نظامنا السياسى الراهن يسير بمنطق خطوة للأمام وخطوتان للخلف..!

محمد عصمت كاتب صحفي