دور الإعلام فى ثقافة الحوار - قضايا إعلامية - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2020 12:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

دور الإعلام فى ثقافة الحوار

نشر فى : الأحد 12 مارس 2017 - 10:00 م | آخر تحديث : الأحد 12 مارس 2017 - 10:00 م
المواطن يشعر بأن ما يحدث فى وطنه هو خارج مجاله، فوسائل إعلامه تبحث فى ما يَهم الجماعة أو الفئة المتحكّمة فيها، حكومة كانت أو ميليشيا أو شركات خاصة. فمشروع قانون الإعلام المطروح اليوم مجرد عملية تجميلية، لأن المشكلة فى افتقار إعلامنا إلى المسئولية الاجتماعية وإلى الأخلاق المهنية.

الإعلامُ مُستَغل من مُعظم ممتهنيه ومن القيّمين على أمرِ الدولة وحتى من كليات وبرامج تدريس الإعلام. مُستَغلو الإعلام من ممتهنيه يتعاملون معه كسلعةٍ تُباع وتُشتَرى، لا كرسالة اجتماعية هادفة. ومُستَغلوه من القيّمين على أمر الدولة يتعاملون معه كوسيلةٍ سياسيةٍ لا كمؤسسة اجتماعية لها دور أساسى فى عملية التنشئة الثقافية والتغيير الاجتماعى وفى الوصل بين المواطن والأحداث الاجتماعية المختلفة. وظالموه من برامج الإعلام الجامعية يعتمدون تدريس مناهج مهنية وتقنية ويهملون اعتماد مناهج نظرية فى دور وسائل الإعلام فى المجتمع وفى السياسات والأخلاقيات الإعلامية.

بالرغم من أن وسائل الإعلام ليست المحرك الأساسى للتغيير فى المجتمع، إلا أنها عاملٌ مهم فى تكوين الاستيعاب العقلى، أو الوعى، لنظرة الإنسان إلى مجتمعه والعالم. فالمضمون الذى تَتوجه به وسائل الإعلام من خلال رسائل إخبارية أو ثقافية أو ترفيهية أو غيرها، لا يؤدى بالضرورة إلى إدراك الحقيقة، بل إنه يساهم فى تكوين هذه الحقيقة أيضا.

ووسائل الإعلام هى النافذة التى يَنظر الجمهور من خلالها إلى مؤسساته الاجتماعية وإلى العالم، وبالتالى تَكتسب هذه الوسائل صِفة البنية الفوقية التى تُؤثر فى وعى الأفراد لجهة تصورهم أوّليات الأحداث السياسية والثقافية، فوسائل الإعلام تحدد المواضيع المهمة التى يتداولها الناس، كما أنّها تُحدّد عواقبها وطرق معالجتها، فهى لا تؤثر على تفكير جماهيرها فقط بل على تصرّفها أيضا، إذ إن ما تعرضه من مضمون يُصبح موضوع نقاشٍ بين جماهيرها، أى إن هذا المضمون يتغلغل أيضا عن طريق الاتصال الشخصيّ الذى يستفزّه ما تعرضه وسائل الإعلام.

***

لم تستطع وسائل الإعلام اللبنانية أن تلعب دورا أساسيا فى إطلاق ثقافة حوار بين الفئات اللبنانية التى فرّقتها الأحداث وعملاؤها من السياسيين. فوسائل الإعلام لا تمارس دورها الأساسى كحارس للمواطن، فلا تدافع عن حقوقه من سيطرة الدولة، أو من تحكّم الجماعات المسيطرة على المجتمع. وهذا الدور المفقود أدّى إلى افتقاد لبنان لوسائل إعلام شعبية تتوجه إلى أمور الشـعب المعيشية وتتبنى قضايا المواطنين الحياتية، والتى تُحقق فى أمر هذه القضايا وتتعرض لها. فنرى إهمالا فاضحا فى التعرض لفساد السلطات السياسية والاقتصادية، بينما تكثر وسائل الإثارة التى يغلب عليها طابع الإثارة السـياسـية.

المشكلة التى تواجه الإعلام فى لبنان لا تَكمن فى مسألة حرية وسائل الإعلام. المشكلة هى فى عدم وجود سياسات إعلامية تربط بين وسائل الإعلام المختلفة وأهداف المجتمع الاجتماعية والثقافية، ما أدّى إلى فوضى إعلامية مكّنت العوامل الخارجية الأجنبية من السيطرة على الإعـلام اللبنانى. وتكمن المشكلة أيضا فى كثرة وسائل الإعلام اللبنانية وعدم وجود تكامل بين نشاط هذه الوسائل والأنشطة الأخرى فى المجتمع، ما أدى إلى فشلها فى إجراء حوار ثقافى إيجابى بين الفئات الاجتماعية التى زادت الحرب الأهلية فى تباعدها.

مشكلة الإعلام اللبنانى ليست فى القوانين بل فى الرؤية الاجتماعية الخاطئة للقيِّمين على وسائل الإعلام الذين لا يولون اهتماما بالمواطن وينصرفون إلى إرضاء المسئول والمموّل. يمكن تلخيص المشكلة بفقدان المسئولية الاجتماعية لدى وسائل الإعلام، وعدم اهتمام الدولة أو عدم مقدرتها على ممارسة مسئوليتها الشرعية على وسائل الإعلام، وكذلك بعدم تعرّض مناهج تدريس الإعلام إلى الدور الذى يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام فى المجتمع، خاصة الحديثة منها، وأثرها فى نشر وتعميم قيم قد تؤدى إلى تغريب المواطن فى وطنه.

الإعلام عنصر أساسى من عناصر النظام الاجتماعى. ولانتظام عمله بشكل إيجابى لا بد أن يتم التنسيق بين العمل الإعلامى وباقى عناصر المجتمع الأخرى. وهذا يتطلب علماء اجتماعيين متخصصين فى مجال الإعلام، وهو ما نفتقده فى لبنان، إذ إنَّ غالبية برامج الإعلام الجامعية اللبنانية تنصرف إلى التدريب المهنى على تقنيات وسائل الاتصال الاجتماعية الحديثة وتهمل إشراك طلابها فى وضع خطط وسياسات إعلامية تعالج مشاكل مجتمعهم.

لبنان بحاجة إلى مهندسين اجتماعيين أكثر من حاجته إلى مهنيين فى مجال الإعلام. ما يحتاج إليه لبنان هو اختصاصيون فى تنظيم عمل المهنيين الإعلاميين عن طريق وضع خطط وسياسات إعلامية تنسق مع عناصر المجتمع الأخرى، فتساهم فى توحيد فئات المجتمع وجماعاته المتنافرة فى مجتمع حديث فاعل.

لقد نتج من فشل وسائل الإعلام اللبنانية فى إطلاق حوار ثقافى وطنى شعور المواطن بأن ما يحدث فى وطنه هو خارج مجاله، فوسائل إعلامه لا تبحث فى الأمور التى تَهمه غالبا، بل ما يَهم الجماعة أو الفئة المتحكّمة فى هذه الوسائل، حكومة كانت أو ميليشيا أو شركات خاصة. وبالتالى فإن المواطن يشعر بأن ما تعطيه إياه وسائل الإعلام من مضمون، لا صلة له بواقعه. وأدى هذا الوضع إلى اندفاع المواطن إلى الثورة على قيمه وطرقِ معيشته، فأصبح غريبا عن مجتمعه وحتى عن نفسه.

***

لوسائل الإعلام اللبنانية دور كبير فى إلهاء المواطن عن مشاكله، عن طريق تحويل أنظاره عن المشاكل الاجتماعية والسياسية الحقيقية، إلى مشاكل ثانوية مستوردة من خارج مجتمعه. وعندما تتطرقُ هذه الوسائل إلى بعض المشاكل الاجتماعية الأساسية، كمشكلة حرية الإعلام مثلا، نراها تَستغل، بل تثير الرأى العام لتعالج هذه المشكلات من منظار بعيد عن المصلحة العامة. فتصبحُ حرية الإعلام عند أصحاب «شركات» الصحف والإذاعة والتليفزيون تتمثل فى حريتهم فى الانفلات من القوانين ومن المسئولية الاجتماعية التى هى من صلب واجباتهم المهنية. وتُغفل هذه الوسائل التعرض لحرية الفرد وحقه فى معلومات صحيحة وموثوقة، وكذلك تتناسى أن الحرية الإعلامية لا تنفصل عن المسئولية الاجتماعية.

هذا الواقع المنحرف أدّى بنا اليوم إلى مواجهتنا التغريب بطريقة خاطئة. إما نحارب عن طريق الانغلاق الكامل، وإما بالاندماج حتى التماهى مع الغرب وقيمه، بينما تكون مواجهة التغريب بعمل إيجابى يشمل إعادة إحياء احترام المواطن وثقته بثقافته وحضارته لا عن طريق إطلاق التعصب الدينى بل عن طريق إعلامه عن مقومات أصوله الثقافية من فنون وعادات حضارية. ومن الجميل، بل من الواجب، أن نقدم لجمهورنا الموسيقى والفنون الأجنبية، شرط ألا ينحصر محتوى وسائلنا الإعلامية على النتاج الثقافى الأجنبى، كما يحدث الآن، فتتم تنشئة شبابنا على ثقافات أجنبية غالبا ما لا تكون لها علاقة بواقعنا.

ماذا تقدّم وسائلنا الإعلامية للمواطن عن ثقافته وعن قيمه؟ ماذا تقدّم لجمهورها من فنوننا التراثية؟ ماذا تقدّم له من موسيقانا الراقية ومن إنتاجنا الفكرى الذى كان أحد أسس انطلاق النهضة فى الغرب؟

ما تقدمه هذه الوسائل لجمهورها للأسف هو محتوى هابط تغلب عليه الأعمال الرديئة ثقافيا والمنحطة أخلاقيا.

***

وسائل الإعلام الاجتماعية الحديثة تلعب دورا مهما فى تسريع نشر المعلومات والأفكار. ولكى يكون لها أثر إيجابى أكبر، لا بد من أن تُبنى على أسس ثقافية أصيلة فتعيد إطلاق التواصل الشعبى. عندما يتم تعريف المواطن على الجميل فى مجتمعه، عن القيم والفنون الجميلة التى انطلقت من مجتمعنا. ما نحتاج إليه هو مواجهة التغريب بالتعرّف على ما يجمعنا ويوحدنا ومعرفة أصولنا المشتركة. فأين الإعلام اللبنانى من كل هذا؟

مشروع قانون الإعلام الجديد الذى هو الآن أمام الهيئة العامة لمجلس النواب ما هو إلا عملية تجميلية لا تعالج المشكلة الأساسية للإعلام. لأن المشكلة ليست فى افتقار لبنان إلى حرية التعبير، بقدر ما هى افتقار إعلامه إلى المسئولية الاجتماعية وإلى الأخلاق المهنية.

ما تحتاج إليه وسائل الإعلام فى لبنان هو ربط حرية التعبير بالمسئولية الاجتماعية وبالأخلاق المهنية التى تحرّر الإعلام من الارتباط العضوى بالنظام السياسى الطائفى والقبلى. على الإعلاميين السعى وراء القرّاء والمشاهدين أو المستمعين بدل الانبطاح فى سبيل الحصول على المموّلين.

نظام عمل وسائل الإعلام فى لبنان هو على شاكلة النظام الطائفى/ العشائرى اللبنانى. فهذه الوسائل تركز على «التخصّص» فى التوجه إلى فئة واحدة من التيارات السياسية والإثنية والطائفية من الجماعات المتنافرة، وبالتالى فشلت فى أن تكون منبرا مسئولا لحوار بنّاء بين هذه التيارات. وفشلت فى ردم الجسور بين المواطنين، وفى إيجاد التوافق الوطنى الذى بدونه لا يمكن للمجتمع أن يبدأ مرحلة النموّ الحقيقى. فكانت النتيجة أن أصبحت وسائل طائفة أو عشيرة بدل أن تكون وسائل وطن.

العلاج يبدأ بالقبول بالتخلى عن التمسك بالنظام الطائفى/ العشائرى الذى يحكم عمل لبنان ومؤسساته المأزومة، والقبول بالنظر فى بدائل وإمكانية إيجاد نظام جديد ينظر إلى اللبنانيين كمواطنين متساوين فى نظام الحوكمة والحصول على المعلومات، لا كطوائف وعشائر متنافرة ومتناحرة.

يقول أحد الكتّاب اللبنانيين إن أزمة الإعلام ليست فى إغلاق الصحف، بل هى فى تغييب الصحافة عن الصحف، وإن المجتمع الصحفى اليوم هو أشبه بنادٍ خاص منعزل جغرافيا واجتماعيا عن الشعب،... «يكتبون عن بعضهم البعض ولبعضهم البعض». فى هذا القول توصيف صحيح لأزمة الإعلام فى لبنان.

نبيل دجانى
أستاذ فى الجامعة الأمريكية فى بيروت

النص الأصلى:

 

التعليقات